تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
وهذا يشمل النهي عن المجادلة ، عن من أذنب وتوجه عليه عقوبة ، من حد أو تعزير ، فإنه لا يجادل عنه ، بدفع ما صدر منه من الخيانة ، أو بدفع ما ترتب على ذلك من العقوبة الشرعية .
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً
أي : كثير الخيانة والإثم . وإذا انتفى الحب ، ثبت ضده ، وهو البغض ، وهذا كالتعليل ، للنهي المتقدم . [ 108 ] ثم ذكر عن هؤلاء الخائنين أنهم
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ
. وهذا من ضعف الإيمان ، ونقصان اليقين ، أن تكون مخافة الخلق عندهم ، أعظم من مخافة اللّه فيحرصون بالطرق المباحة والمحرمة ، على عدم الفضيحة عند الناس ، وهم - مع ذلك - قد بارزوا اللّه بالعظائم ، ولم يبالوا بنظره واطلاعه عليهم . وهو معهم بالعلم ، في جميع أحوالهم ، خصوصا في حال تبييتهم ما لا يرضيه من القول ، من تبرئة الجاني ، ورمي البريء بالجناية ، والسعي في ذلك للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ليفعل ما بيتوه . فقد جمعوا بين عدة جنايات ، ولم يراقبوا رب الأرض والسماوات ، المطلع على سرائرهم وضمائرهم ، ولهذا توعدهم تعالى بقوله :
وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً
أي : قد أحاط بذلك علما . ومع هذا ، لم يعاجلهم بالعقوبة بل استأنى بهم ، وعرض عليهم التوبة وحذرهم من الإصرار على ذنبهم ، الموجب للعقوبة البليغة . [ 109 ]
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
( 109 ) أي : هبكم جادلتم عنهم في هذه الحياة الدنيا ، ودفع عنهم جدالكم بعض ما يحذرون من العار والفضيحة ، عند الخلق . فما ذا يغني عنهم وينفعهم ؟ ومن يجادل اللّه عنهم يوم القيامة حين تتوجه عليهم الحجة ، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ؟
يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ
( 25 ) . فمن يجادل عنهم ، من يعلم السر وأخفى ، ومن أقام عليهم من الشهود ما لا يمكن معه الإنكار ؟ وفي هذه الآية ، الإرشاد إلى المقابلة ، بين ما يتوهم من مصالح الدنيا المترتبة على ترك أوامر اللّه ، أو فعل مناهيه . وبين ما يفوت من ثواب الآخرة ، أو يحصل من عقوباتها . فيقول من أمرته نفسه بترك أمر اللّه ها أنت تركت أمره كسلا وتفريطا ، فما النفع الذي انتفعت به ؟ وما ذا فاتك من ثواب الآخرة ؟ وما ذا ترتب على هذا الترك من الشقاء والحرمان والخيبة والخسران ؟ وكذلك إذا دعته نفسه إلى ما تشتهيه من الشهوات المحرمة ، قال لها : هبك فعلت ما اشتهيت ، فإن لذته تنقضي ، ويعقبها من الهموم ، والغموم ، والحسرات ، وفوات الثواب ، وحصول العقاب - ما بعضه يكفي العاقل في الإحجام عنها . وهذا من أعظم ما ينفع العبد تدبره ، وهو خاصة ، العقل الحقيقي . بخلاف من يدعي العقل ، وليس كذلك . فإنه - بجهله وظلمه - يؤثر اللذة الحاضرة ، والراحة الراهنة ، ولو ترتب عليها ما ترتب . واللّه المستعان . [ 110 ] ثم قال تعالى :
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
أي : من تجرأ على المعاصي ، واقتحم على الإثم ، ثم استغفر اللّه استغفارا تاما ، يستلزم الإقرار بالذنب ، والندم عليه ، والإقلاع ، والعزم على أن لا يعود . فهذا قد وعده من لا يخلف الميعاد ، بالمغفرة والرحمة . فيغفر له ما صدر منه من الذنب ، ويزيل عنه ما ترتب عليه من النقص والعيب ، ويعيد إليه ما تقدم من الأعمال الصالحة ، ويوفقه فيما يستقبله من عمره ، ولا يجعل ذنبه حائلا عن توفيقه ، لأنه قد غفره ، وإذا غفره ، غفر ما يترتب عليه . واعلم أن عمل السوء عند الإطلاق ، يشمل سائر المعاصي ، الصغيرة والكبيرة . وسمي « سوءا » لكونه يسوء عامله بعقوبته ، ولكونه - في نفسه - سيئا ، غير حسن . وكذلك ظلم النفس عند الإطلاق ، يشمل ظلمها بالشرك ، فما دونه . ولكن عند اقتران أحدهما بالآخر ، قد يفسر كل واحد منهما ، بما يناسبه . فيفسر عمل السوء هنا ، بالظلم الذي يسوء الناس ، وهو ظلمهم ، في دمائهم ، وأموالهم وأعراضهم . ويفسر ظلم النفس ، بالظلم والمعاصي ، التي بين اللّه وبين عبده . وسمي ظلم النفس « ظلما » لأن نفس العبد ، ليست ملكا له ، يتصرف فيها بما يشاء . وإنما هي ، ملك للّه تعالى ، قد جعلها أمانة عند العبد ، وأمره أن يقيمها على طريق العدل ، بإلزامها الصراط المستقيم ، علما وعملا ، فيسعى في تعليمها ما أمر به ، ويسعى