تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
اللفظ ، بل ينافيه ، ولا يدل عليه المعنى . فأي آية وبرهان ، برجوع البلدان الدامرة إلى العمارة ، وهذه لم تزل تشاهد ، تعمر قرى ومساكن ، وتخرب أخرى ، وإنما الآية العظيمة في إحيائه بعد موته ، وإحياء حماره ، وإبقاء طعامه وشرابه ، لم يتعفن ولم يتغير . ثم قوله :
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ
صريح في أنه لم يتبين له إلا بعد ما شاهد هذه الحالة الدالة على كمال قدرته عيانا . [ 260 ] وأما البرهان الآخر ، فإن إبراهيم قال طالبا من اللّه ، أن يريه كيف يحيي الموتى ، فقال اللّه له :
أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ
ليزيل الشبهة عن خليله .
قالَ
إبراهيم :
بَلى
يا رب ، قد آمنت أنك على كل شيء قدير ، وأنك تحيي الموتى ، وتجازي العباد ، ولكن أريد أن يطمئن قلبي ، وأصل إلى درجة عين اليقين . فأجاب اللّه دعوته ، كرامة له ، ورحمة بالعباد ،
قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ
ولم يبين أي الطيور هي ، فالآية حاصلة بأي نوع منها ، وهو المقصود ،
فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ
ضمهن ، واذبحهن ، ومزقهن
ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
. ففعل ذلك ، وفرّق أجزاءهن على الجبال ، التي حوله ، ودعاهن بأسمائهن ، فأقبلن إليه ، أي : سريعات ، لأن السعي : السرعة ، وليس المراد أنهن جئن على قوائمهن ، وإنما جئن طائرات ، على أكمل ما يكون من الحياة . وخصّ الطيور بذلك ، لأن إحياءهن أكمل وأوضح من غيرهن . وأيضا أزال في هذا كل وهم ، ربما يعرض للنفوس المبطلة ، فجعلهن متعددات أربعة ، ومزقهن جميعا ، وجعلهن على رؤوس الجبال ، ليكون ذلك ظاهرا علنا ، يشاهد من قرب ومن بعد ، وأنه نحاهن عنه كثيرا ، لئلا يظن أن يكون عاملا حيلة من الحيل ، وأيضا أمره أن يدعوهن فجئن مسرعات . فصارت هذه الآية أكبر برهان على كمال عزة اللّه وحكمته . وفيه تنبيه على أن البعث فيه يظهر للعباد كمال عزة اللّه وحكمته وعظمته وسعة سلطانه ، وتمام عدله وفضله . [ 261 ] هذا حث عظيم من اللّه لعباده على إنفاق أموالهم في سبيله ، وهو طريقه للوصول إليه ، فيدخل في هذا إنفاقه في ترقية العلوم النافعة ، وفي الاستعداد للجهاد في سبيله ، وفي تجهز المجاهدين ، وتجهيزهم ، وفي جميع المشاريع الخيرية النافعة للمسلمين . ويلي ذلك الإنفاق على المحتاجين ، والفقراء والمساكين . وقد يجتمع الأمران ، فيكون في النفقة دفع الحاجات ، والإعانة على الخير والطاعات ، فهذه النفقات مضاعفة ، هذه المضاعفة بسبعمائة إلى أضعاف أكثر من ذلك ، ولهذا قال :
وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ
، وذلك بحسب ما يقوم بقلب المنفق ، من الإيمان ، والإخلاص التام ، وفي ثمرات نفقته ونفعها ، فإن بعض طرق الخيرات يترتب على الإنفاق فيها منافع متسلسلة ، ومصالح متنوعة ، فكان الجزاء من جنس العمل . ثم أيضا ذكر ثوابا آخر للمنفقين أموالهم في سبيله ، نفقة صادرة ، مستوفية لشروطها ، منتفية موانعها ، فلا يتبعون المنفق عليه منا منهم عليه ، وتعدادا للنعم ، وأذية له ، قولية أو فعلية . فهؤلاء
لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
بحسب ما يعلمه منه ، وبحسب نفقاتهم ونفعها ، وبفضله الذي لا تناله ، ولا تصل إليه صدقاتهم .
وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
، فنفى عنهم المكروه الماضي ، بنفي الحزن ، والمستقبل بنفي الخوف