تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
يوم لا تفيد فيه المعاوضات بالبيع ونحوه ، ولا التبرعات ، ولا الشفاعات ، فكل أحد يقول : يا ليتني قدمت لحياتي . فتنقطع الأسباب كلها ، إلا الأسباب المتعلقة بطاعة اللّه والإيمان به ، يوم لا ينفع مال ولا بنون ، إلا من أتى اللّه بقلب سليم .
وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ
،
وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً
. ثم قال تعالى :
وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
، وذلك لأن اللّه خلقهم لعبادته ، ورزقهم وعافاهم ، ليستعينوا بذلك على طاعته ، فخرجوا عما خلقهم اللّه له ، وأشركوا باللّه ، ما لم ينزل به سلطانا ، واستعانوا بنعمه على الكفر ، والفسوق ، والعصيان ، فلم يبقوا للعدل موضعا ، فلهذا حصر الظلم المطلق فيهم . [ 255 ] أخبر صلى اللّه عليه وسلم أن هذه الآية أعظم آيات القرآن ، لما احتوت عليه من معاني التوحيد والعظمة ، وسعة الصفات للباري تعالى . فأخبر أنه
اللَّهُ
الذي له جميع معاني الألوهية ، وأنه لا يستحق الألوهية والعبودية إلا هو ، فألوهية غيره ، وعبادة غيره باطلة . وأنه
الْحَيُّ
الذي له جميع معاني الحياة الكاملة ، من السمع والبصر ، والقدرة ، والإرادة ، وغيرها والصفات الذاتية . كما أن
الْقَيُّومُ
تدخل فيه جميع صفات الأفعال ، لأنه القيوم الذي قام بنفسه ، واستغنى عن جميع مخلوقاته ، وقام بجميع الموجودات ، فأوجدها وأبقاها ، وأمدها بجميع ما تحتاج إليه في وجودها وبقائها . ومن كمال حياته وقيوميته ، أنه
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ
، أي : نعاس
وَلا نَوْمٌ
؛ لأن السنة والنوم ، إنما يعرضان للمخلوق ، الذي يعتريه الضعف ، والعجز ، والانحلال ، ولا يعرضان لذي العظمة والكبرياء والجلال . وأخبر أنه مالك جميع ما في السماوات والأرض ، فكلهم عبيد للّه مماليك ، لا يخرج أحد منهم عن هذا الطور ،
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً
( 93 ) ، فهو المالك لجميع الممالك ، وهو الذي له صفات الملك والتصرف ، والسلطان ، والكبرياء . ومن تمام ملكه أنه لا
يَشْفَعُ عِنْدَهُ
أحد
إِلَّا بِإِذْنِهِ
، فكل الوجهاء والشفعاء عبيد له مماليك ، لا يقدمون على شفاعة حتى يأذن لهم .
قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، واللّه لا يأذن لأحد أن يشفع إلا فيمن ارتضى ، ولا يرتضي إلا توحيده ، واتباع رسله ، فمن لم يتصف بهذا ، فليس له في الشفاعة نصيب . ثم أخبر عن علمه الواسع المحيط ، وأنه يعلم ما بين أيدي الخلائق ، من الأمور المستقبلة ، التي لا نهاية لها
وَما خَلْفَهُمْ
من الأمور الماضية التي لا حد لها ، وأنه لا تخفى عليه خافية
يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ
( 19 ) . وأن الخلق لا يحيط أحد بشيء من علم اللّه ومعلوماته
إِلَّا بِما شاءَ
منها وهو ما أطلعهم عليه من الأمور الشرعية والقدرية ، وهو جزء يسير جدا مضمحل في علوم الباري ومعلوماته ، كما قال أعلم الخلق به ، وهم الرسل والملائكة :
سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا
. ثم أخبر عن عظمته وجلاله ، وأن كرسيه ، وسع السماوات والأرض ، وأنه قد حفظهما ومن فيهما من العوالم بالأسباب والنظامات ، التي جعلها اللّه في المخلوقات . ومع ذلك ف
لا يَؤُدُهُ
، أي : يثقله حفظهما ، لكمال عظمته ، واقتداره ، وسعة حكمته في أحكامه .
وَهُوَ الْعَلِيُّ
بذاته ، على جميع مخلوقاته ، وهو العلي بعظمة صفاته ، وهو العلي الذي قهر