تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
عليهم ، فقد حصل لهم المحبوب ، واندفع عنهم المكروه . [ 263 ] ذكر اللّه أربع مراتب للإحسان : المرتبة العليا : النفقة الصادرة عن نية صالحة ، ولم يتبعها المنفق منا ولا أذى . ثم يليها قول المعروف ، وهو : الإحسان القولي بجميع وجوهه ، الذي فيه سرور المسلم ، والاعتذار من السائل إذا لم يوافق عنده شيئا ، وغير ذلك من أقوال المعروف . والثالثة : الإحسان بالعفو والمغفرة ، عمن أساء إليك ، بقول أو فعل . وهذان أفضل من الرابعة ، وخير منها وهي التي يتبعها المتصدق الأذى للمعطى ، لأنه كدر إحسانه وفعل خيرا وشرا . فالخير المحض - وإن كان مفضولا - خير من الخير الذي يخالطه شر ، وإن كان فاضلا ، وفي هذا التحذير العظيم لمن يؤذي من تصدق عليه ، كما فعله أهل اللؤم والحمق والجهل .
وَاللَّهُ
تعالى
غَنِيٌّ
عن صدقاتهم ، وعن جميع عباده .
حَلِيمٌ
مع كمال غناه ، وسعة عطاياه ، يحلم عن العاصين ، ولا يعاجلهم بالعقوبة ، بل يعافيهم ويرزقهم ، ويدر عليهم خيره ، وهم مبارزون له بالمعاصي . [ 264 ] ثم نهى أشد النهي عن المن والأذى ، وضرب لذلك مثلا ، فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى
الآية ، ضرب اللّه في هذه الآيات ثلاثة أمثلة : للمنفق ابتغاء وجهه ، ولم يتبع نفقته منا ولا أذى ، ولمن أتبعها منا وأذى ، وللمرائي . [ 265 ] فأما الأول ، فإنه لما كانت نفقته مقبولة مضاعفة ، لصدورها عن الإيمان والإخلاص التام
ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ
، أي : ينفقون ، وهم ثابتون على وجه السماحة والصدق ، فمثل هذا العمل
كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ
، وهو المكان المرتفع ، لأنه يتبين للرياح والشمس ، والماء فيها غزير . فإن لم يصبها ذلك الوابل الغزير ، حصل طل كاف ، لطيب منبتها ، وحسن أرضها ، وحصول جميع الأسباب الموفرة لنموها وازدهارها وإثمارها . ولهذا آتت
أُكُلَها ضِعْفَيْنِ
، أي : متضاعفا . وهذه الجنة التي على هذا الوصف ، هي أعلى ما يطلبه الناس ، فهذا العمل الفاضل بأعلى المنازل . [ 266 ] وأما من أنفق للّه ، ثم أتبع نفقته منا وأذى ، أو عمل عملا ، فأتى بمبطل لذلك العمل ، فهذا مثله مثال صاحب هذه الجنة ، لكن سلط عليها
إِعْصارٌ
وهو الريح الشديدة
فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ
، وله ذرية ضعفاء ، وهو ضعيف قد أصابه الكبر . فهذه الحال من أفظع الأحوال ، ولهذا صدر هذا المثل بقوله :
أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ
، إلى آخرها بالاستفهام المتقرر عند المخاطبين فظاعته ، فإن تلفها دفعة واحدة ، بعد زهاء أشجارها ، وإيناع ثمارها ، مصيبة كبرى . ثم حصول هذه الفاجعة - وصاحبها كبير قد ضعف عن العمل ، وله ذرية ضعفاء ، لا مساعدة منهم له ، ومئونتهم عليه - فاجعة أخرى ، فصار صاحب هذا المثل ، الذي عمل للّه ، ثم أبطل عمله بمناف له ، يشبه حال صاحب الجنة ، التي جرى عليها ما جرى ، حين اشتدت ضرورته إليها . المثل الثالث : الذي يرائي الناس ، وليس معه إيمان باللّه ، ولا احتساب لثوابه ، حيث شبه قلبه بالصفوان ، وهو الحجر الأملس ، عليه تراب يظن الرائي أنه إذا أصابه المطر ، أنبت كما تنبت الأراضي الطيبة ، ولكنه كالحجر ، الذي أصابه الوابل الشديد ، فأذهب ما عليه من
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 124 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي