تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1106

مساهمون:

ص١١٠٦
كل شيء . وهذا يدل على جلالة القرآن وجزالته ، ورفعة قدره عند اللّه تعالى ، واللّه أعلم .

سورة الطارق

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ 1 ] يقول اللّه تعالى :
وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ
( 1 ) . ثم فسر الطارق بقوله : [ 3 ]
النَّجْمُ الثَّاقِبُ
( 3 ) ، أي : المضيء ، الذي يثقب نوره ، فيخرق السماوات ، فينفذ حتى يرى في الأرض ، والصحيح أنه اسم جنس ، يشمل سائر النجوم الثواقب . وقد قيل : إنه « زحل » الذي يخرق السماوات السبع وينفذها ، فيرى منها . وسمي طارقا ، لأنه يطرق ليلا ، والمقسم عليه قوله : [ 4 ]
إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ
( 4 ) يحفظ عليها أعمالها الصالحة والسيئة ، وستجازى بعملها المحفوظ عليها . [ 5 - 7 ]
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ
( 5 ) ، أي : فليتدبر خلقته ومبدأه ، فإنه
خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ
( 6 ) ، وهو المني الذي
يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ
( 7 ) ، يحتمل أنه من بين صلب الرجل ، وترائب المرأة ، وهي ثدياها . ويحتمل أن المراد : المني الدافق ، وهو مني الرجل ، وأن محله الذي يخرج منه ما بين صلبه وترائبه . ولعل هذا أولى ، فإنه إنما وصف به الماء الدافق ، الذي يحس به ويشاهد دفقه ، وهو مني الرجل . وكذلك لفظ الترائب ، فإنها تستعمل للرجل ، فإن الترائب للرجل ، بمنزلة الثديين للأنثى ، فلو أريد الأنثى ، لقيل : « من الصلب والثديين » ، ونحو ذلك ، واللّه أعلم . [ 8 ] فالذي أوجد الإنسان من ماء دافق ، يخرج من هذا الموضع الصعب ، قادر على رجعه في الآخرة ، وإعادته للبعث ، والنشور والجزاء . وقد قيل : إن معناه ، أن اللّه على رجع الماء المدفوق ، في الصلب لقادر ، وهذا المعنى وإن كان صحيحا ، فليس هو المراد من الآية ، [ 9 ] ولهذا قال بعده :
يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ
( 9 ) ، أي : تختبر سرائر الصدور ، ويظهر ما كان في القلوب من خير وشر ، على صفحات الوجوه كما قال تعالى :
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ
. ففي الدنيا ، ينكتم كثير من الأشياء ، ولا يظهر عيانا للناس ، وأما يوم القيامة ، فيظهر برّ الأبرار ، وفجور الفجار ، وتصير الأمور علانية . [ 10 ] وقوله :
فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ
، أي : من نفسه يدفع بها
وَلا ناصِرٍ
من خارج ، ينتصر به ، فهذا القسم على العاملين ، وقت عملهم ، وعند جزائهم . [ 11 - 12 ] ثم أقسم قسما ثانيا ، على صحة القرآن ، فقال :
وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ ( 11 ) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ
( 12 ) ، أي : ترجع السماء بالمطر كل عام ، وتنصدع الأرض للنبات ، فيعيش بذلك الآدميون والبهائم ، وترجع السماء أيضا بالأقدار والشؤون الإلهية ، كل وقت ، وتنصدع الأرض عن الأموات . [ 13 ]
إِنَّهُ
، أي : القرآن
لَقَوْلٌ فَصْلٌ
، أي : حق وصدق ، بيّن واضح . [ 14 ]
وَما هُوَ بِالْهَزْلِ
( 14 ) ، أي : جد ليس بالهزل ، وهو القول الذي يفصل بين الطوائف والمقالات ، وتنفصل به الخصومات . [ 15 ]
إِنَّهُمْ
، أي : المكذبين للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وللقرآن
يَكِيدُونَ كَيْداً
ليدفعوا بكيدهم الحق ، ويؤيدوا الباطل . [ 16 ]
وَأَكِيدُ كَيْداً
( 16 )