تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1079

مساهمون:

ص١٠٧٩
ذكره بعده في قوله :
لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً
، فإن أهل الكتاب ، إذا وافق ما عندهم وطابقه ، ازداد يقينهم بالحق ، والمؤمنون كلما أنزل اللّه آية ، فآمنوا بها ، وصدقوا ، ازداد إيمانهم .
وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ
، أي : ليزول عنهم الريب والشك . وهذه مقاصد جليلة ، يعتني بها أولو الألباب ، وهي : السعي في اليقين ، وزيادة الإيمان في كلّ وقت ، وكلّ مسألة من مسائل الدين ، ودفع الشكوك والأوهام ، التي تعرض في مقابلة الحقّ ، فجعل ما أنزله على رسوله ، محصلا لهذه المقاصد الجليلة ، ومميزا للصادقين من الكاذبين . ولهذا قال :
وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
، أي : شك وشبهة ونفاق .
وَالْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا
وهذا على وجه الحيرة والشك منهم ، والكفر بآيات اللّه ، وهذا وذاك ، من هداية اللّه لمن يهديه ، وإضلاله لمن يضله ، ولهذا قال :
كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
فمن هداه اللّه ، جعل ما أنزل على رسوله رحمة في حقه ، وزيادة في إيمانه ودينه . ومن أضله ، جعل ما أنزله على رسوله ، زيادة شقاء عليه وحيرة ، وظلمه في حقه ، والواجب أن يتلقى ما أخبر اللّه به ورسوله بالتسليم .
وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ
من الملائكة وغيرهم
إِلَّا هُوَ
فإذا كنتم جاهلين بجنوده ، وأخبركم بها العليم الخبير ، فعليكم أن تصدقوا خبره ، من غير شك ولا ارتياب .
وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ
، أي : وما هذه الموعظة والتذكار ، مقصودا به العبث واللعب ، وإنما المقصود به ، أن يتذكر به البشر ما ينفعهم فيفعلونه ، وما يضرهم فيتركونه . [ 32 ]
كَلَّا
هنا بمعنى : حقا ، أو بمعنى « ألا » الاستفتاحية . فأقسم تعالى بالقمر ، وبالليل وقت إدباره ، والنهار وقت إسفاره ، لاشتمال المذكورات ، على آيات اللّه العظيمة ، الدالة على كمال قدره اللّه وحكمته ، وسعة سلطانه ، وعموم رحمته وإحاطة علمه . والمقسم عليه ، قوله : [ 35 ]
إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ
( 35 ) ، أي : إن النار لإحدى العظائم الطامة والأمور الهامة . فإذا أعلمناكم بها ، وكنتم على بصيرة ، من أمرها ، فمن شاء منكم أن يتقدم ، فيعمل بما يقربه إلى اللّه ، ويدنيه من رضاه ، ويزلفه من دار كرامته . أو يتأخر عما خلق له ، وعما يحبه اللّه ويرضاه ، فيعمل بالمعاصي ، ويتقرب إلى جهنم ، كما قال تعالى :
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
الآية . [ 38 ]
كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
من أفعال الشر وأعمال السوء ،
رَهِينَةٌ
بها موثقة بسعيها ، قد ألزم عنقها ، وغل في رقبتها ، واستوجبت به العذاب . [ 39 ]
إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ
( 39 ) فإنهم لم يرتهنوا ، بل أطلقوا وفرحوا . [ 40 ]
فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ ( 40 ) عَنِ الْمُجْرِمِينَ
( 41 ) ، أي : في جنات قد حصل لهم فيها جميع مطلوباتهم ، وتمت لهم الراحة والطمأنينة ، حتى أقبلوا يتساءلون ، فأفضت بهم المحادثة ، أن سألوا عن المجرمين : أي حال وصلوا إليها ، وهل وجدوا ما وعدهم اللّه ؟ فقال بعضهم لبعض : « هل أنتم مطلعون عليهم » ، فاطلعوا عليهم في وسط الجحيم ، يعذبون ، فقالوا لهم : [ 42 ]
ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ
( 42 ) ، أي : أيّ شيء أدخلكم فيها ؟ وبأي ذنب استحققتموها ؟ [ 43 - 44 ]
قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ( 43 ) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ
( 44 ) فلا إخلاص للمعبود ولا إحسان ، ولا نفع للخلق المحتاجين . [ 45 ]
وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ
( 45 ) ، أي : نخوض بالباطل ، ونجادل به الحقّ . [ 46 ]
وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ
( 46 ) ، هذه آثار الخوض بالباطل ، وهو التكذيب بالحق ، ومن أحق الحقّ ، يوم الدين ، الذي هو محل الجزاء على الأعمال ، وظهور ملك اللّه وحكمه العدل لسائر الخلق . [ 47 ] فاستمر عملنا على هذا المذهب الباطل
حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ
( 47 ) ، أي : الموت : فلما ماتوا على الكفر تعذرت حينئذ عليهم الحيل ، وانسدّ في وجوههم باب الأمل . [ 48 ]
فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ
( 48 ) لأنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى ، وهؤلاء لا يرضى اللّه أعمالهم . [ 49 ] فلما بين اللّه مآل المخالفين ، وبين ما يفعل بهم ، عطف على الموجودين بالعتاب واللوم ، فقال :
فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ
( 49 ) ، أي : صادين غافلين عنها . [ 50 ]
كَأَنَّهُمْ
في نفرتهم الشديدة منها ،
حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ
،