تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 448

مساهمون:

ص٤٤٨
عاطفا على البشارة الأولى :
وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 112 )
[ الصافات : 112 ] فدل ذلك على أن البشارة الأولى شيء غير المبشر به في الثانية لأنه لا يجوز حمل كتاب اللّه على أن معناه : فبشرناه بإسحاق ، ثم بعد انتهاء قصة ذبحه يقول أيضا : وبشرناه بإسحاق ، فهو تكرار لا فائدة فيه ينزّه عنه كلام اللّه ، وهو واضح في أن الغلام المبشّر به أولا الذي فدي بالذبح العظيم ، هو إسماعيل ، وأن البشارة بإسحاق نص اللّه عليها مستقلة بعد ذلك . وقد أوضحنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
[ النحل : 97 ] الآية . أن المقرر في الأصول أن النص من كتاب اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلّم إذا احتمل التأسيس والتأكيد معا ، وجب حمله على التأسيس ولا يجوز حمله على التأكيد إلا لدليل يجب الرجوع إليه . ومعلوم في اللغة العربية ، أن العطف يقتضي المغايرة ، فآية الصافات هذه دليل واضح للمنصف على أن الذبيح إسماعيل لا إسحاق ، ويستأنس لهذا بأن المواضع التي ذكر فيها إسحاق يقينا عبر عنه في كلها بالعلم لا الحلم ، وهذا الغلام الذبيح وصفه بالحلم لا العلم . وأما الموضع الثاني الدال على ذلك الذي ذكرنا أنه في سورة هود فهو قوله تعالى :
وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ
( 71 ) [ هود : 71 ] لأن رسل اللّه من الملائكة بشرتها بإسحاق ، وأن إسحاق يلد يعقوب ، فكيف يعقل أن يؤمر إبراهيم بذبحه ، وهو صغير ، وهو عنده علم يقين بأنه يعيش حتى يلد يعقوب . فهذه الآية أيضا دليل واضح على ما ذكرنا ، فلا ينبغي للمنصف الخلاف في ذلك بعد دلالة هذه الأدلة القرآنية على ذلك . والعلم عند اللّه تعالى .

تنبيه

اعلم أن قصة الذبيح هذه تؤيد أحد القولين المشهورين ، عند أهل الأصول في حكمة التكليف ، هل هي للامتثال فقط ، أو هي مترددة بين الامتثال والابتلاء ، لأنه بين في هذه الآية الكريمة أن حكمة تكليفه لإبراهيم بذبحه ولده ليست هي امتثاله ذلك بالفعل ، لأنه لم يرد ذبحه كونا وقدرا وإنما حكمة تكليفه بذلك مجرد الابتلاء والاختبار ، هل يصمم على امتثال ذلك أولا ، كما صرح بذلك في قوله تعالى :
إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ( 106 ) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
( 107 ) [ الصافات : 106 - 107 ] فتبين بهذا أن التحقيق أن حكمه التكليف مترددة بين الامتثال ، والابتلاء . وإلى الخلاف المذكور أشار في مراقي السعود بقوله :
للامتثال كلف الرقيب * فموجب تمكنا مصيب
أو بينه والابتلاء ترددا * شرط تمكن عليه انفقدا
وقد أشار بقوله : فموجب تمكنا مصيب . وقوله : شرط تمكن عليه انفقدا ، إلى أن
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 448 | الشنقيطي