كالمناص ، والمحيص ، والملجأ ، والموئل ، والمفر ، والوزر ، كقوله :
فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ
( 3 ) [ ص : 4 ] وقوله :
وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً
( 121 ) [ النساء : 121 ] ، وقوله :
فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ
( 36 ) [ ق : 36 ] ، وقوله :
ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ
( 47 ) [ الشورى : 47 ] ، وقوله :
يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ
[ الكهف : 57 ] ، وقوله :
يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ ( 10 ) كَلَّا لا
[ القيامة : 10 - 11 ] فكل ذلك راجع في المعنى إلى شيء واحد ، وهو انتفاء مكان يلجؤون إليه ويعتصمون به .
قوله تعالى :
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
[ 28 ] .
أمر اللّه جل وعلا نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية الكريمة : أن يصبر نفسه ، أي يحبسها مع المؤمنين الذي يدعون ربهم أول النهار وآخره مخلصين له ، لا يريدون بدعائهم إلا رضاه جل وعلا .
وقد نزلت هذه الآية الكريمة في فقراء المهاجرين كعمار ، وصهيب ، وبلال ، وابن مسعود ونحوهم . لما أراد صناديد الكفار من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يطردهم عنه ، ويجالسهم بدون حضور أولئك الفقراء المؤمنين ، وقد قدمنا في سورة « الأنعام » أن اللّه كما أمره هنا بأن يصبر نفسه معهم أمره أمره بألا يطردهم ، وأنه إذا رآهم يسلم عليهم ، وذلك في قوله :
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ
( 52 ) - إلى قوله -
وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ
[ الأنعام : 52 - 54 ] وقد أشار إلى ذلك المعنى في قوله :
عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ( 2 ) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ( 3 ) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ( 4 ) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ( 5 ) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ( 6 ) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ( 8 ) وَهُوَ يَخْشى ( 9 ) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ( 10 ) كَلَّا
[ عبس : 1 - 11 ] . وقد قدمنا أن ما طلبه الكفار من نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم من طرده فقراء المؤمنين وضعفاءهم تكبرا عليهم وازدراء بهم - طلبه أيضا قوم نوح من نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، وأنه امتنع من طردهم أيضا ، كقوله تعالى عنهم :
* قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
( 111 ) [ الشعراء : 111 ] ، وقوله عنهم أيضا :
وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ
[ هود : 27 ] ، وقال عن نوح في امتناعه من طردهم :
وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ( 114 ) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
( 115 ) [ الشعراء : 114 - 115 ] ، وقوله تعالى عنه :
وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ( 29 ) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
( 30 ) [ هود : 29 - 30 ] .
وقوله
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ
فيه الدليل على أن مادة الصبر تتعدى بنفسها للمفعول ، ونظير ذلك من كلام العرب قول أبي ذؤيب أو عنترة :