الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ
[ سبأ : 12 ] ، وقوله :
يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ
[ سبأ : 13 ] ، وكقوله في حفظهم من أن يزيغوا عن أمره :
وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ
( 12 ) [ سبأ : 12 ] ، وقوله :
وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ
( 38 ) [ ص : 38 ] .
وصفة البساط ، وصفة حمل الريح له ، وصفة جنود سليمان من الجن والإنس والطير - كل ذلك مذكور بكثرة في كتب التفسير ، ونحن لم نطل به الكلام في هذا الكلام المبارك .
قوله تعالى :
وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 83 ) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ ( 84 )
[ 83 - 84 ] .
الظاهر أن قوله
وَأَيُّوبَ
منصوب باذكر مقدرا ، ويدل على ذلك قوله تعالى في « ص »
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ
( 41 ) [ ص : 41 ] .
وقد أمر جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم : أن يذكر أيوب حين نادى ربه قائلا :
أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
( 83 ) وأن ربه استجاب له فكشف عنه جميع ما به من الضر ، وأنه آتاه أهله ، وآتاه مثلهم معهم رحمة منه جل وعلا به ، وتذكيرا للعابدين أي الذين يعبدون اللّه لأنهم هم المنتفعون بالذكرى .
وهذا المعنى الذي ذكره هنا ذكره أيضا في سورة « ص » في قوله :
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ
( 41 ) إلى قوله
لِأُولِي الْأَلْبابِ
( 43 ) [ ص : 41 - 43 ] والضر الذي مس أيوب ، ونادى ربه ليكشفه عنه كان بلاء أصابه في بدنه وأهله وماله . ولما أراد اللّه إذهاب الضر عنه أمره أن يركض برجله ففعل ، فنبعت له عين ماء فاغتسل منها فزال كل ما بظاهر بدنه من الضر ، وشرب منها فزال كل ما بباطنه ؛ كما أشار تعالى إلى ذلك في قوله :
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ
( 42 ) [ ص : 42 ] .
وما ذكره في « الأنبياء » : من أنه آتاه أهله ومثلهم معهم رحمة منه وذكرى لمن يعبده - بينه في « ص » في قوله ،
وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ
( 43 ) [ ص :
43 ] ، وقوله في « الأنبياء » ،
وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ
( 84 ) مع قوله في « ص » ،
وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ
( 43 ) فيه الدلالة الواضحة على أن أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال ، هم الذين يعبدون اللّه وحده ويطيعونه . وهذا يؤيد قول من قال من أهل العلم ، إن من أوصى بشيء من ماله لأعقل الناس - أن تلك الوصية تصرف لأتقى الناس وأشدهم طاعة للّه تعالى ؛ لأنهم هم أولو الألباب ؛ أي العقول الصحيحة السالمة من الاختلال .