الجواب الثاني - هو ما ذكره الزمخشري قال : فإن قلت : وصفت هذه الريح بالعصف تارة بالرخاء أخرى ، فما التوفيق بينهما ؟ قلت : كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم ، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة ، على ما قال
غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ
. فكان جمعها بين الأمرين : أن تكون رخاء في نفسها ، وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان ، وهبوبها على حسب ما يريد ويحتكم - ا ه محل الغرض منه .
وأما الجواب عن السؤال الثاني - فهو أن قوله
حَيْثُ أَصابَ
يدل على أنها تجري بأمره حيث أراد من أقطار الأرض . وقوله
تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ
لأن مسكنه فيها وهي الشام ، فترده إلى الشام . وعليه فقوله :
حَيْثُ أَصابَ
في حالة الذهاب .
وقوله :
إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها
في حالة الإياب إلى محل السكنى . فانفكت الجهة فزال الإشكال . وقد قال نابغة ذبيان :
إلا سليمان إذ قال الإله له * قم في البرية فاحددها عن الفند
وخيس الجن إني قد أذنت لهم * يبنون تدمر بالصفاح والعمد
وتدمر : بلد بالشام . وذلك مما يدل على أن الشام هو محل سكناه كما هو معروف .
قوله تعالى :
وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ ( 82 )
[ 82 ] .
الأظهر في قوله
مَنْ يَغُوصُونَ
أنه في محل نصب عطفا على معمول
سَخَّرْنا
أي وسخرنا له من يغوصون له من الشياطين . وقيل : « من » مبتدأ ، والجار والمجرور قبله خبره .
وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه سخر لسليمان من يغوصون له من الشياطين ؛ أي يغوصون له في البحار فيستخرجون له منها الجواهر النفيسة ؛ كاللؤلؤ ، والمرجان . والغوص : النزول تحت الماء . والغواص : الذي يغوص البحر ليستخرج منه اللؤلؤ ونحوه ؛ ومنه قول نابغة ذبيان :
أو درة صدفية غواصها * بهج متى يراها يهل ويسجد
وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أيضا . أن الشياطين المسخرين له يعملون له عملا دون ذلك ؛ أي سوى ذلك الغوص المذكور ؛ أي كبناء المدائن والقصور ، وعمل المحاريب والتماثيل ، والجفان والقدور الراسيات ، وغير ذلك من اختراع الصنائع العجيبة .
وقوله في هذه الآية الكريمة :
وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ
( 82 ) أي من أن يزيغوا عن أمره ، أو يبدلوا أو يغيروا ، أو يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون فيه . وهذه المسائل الثلاث التي تضمنتها هذه الآية الكريمة - جاءت مبينة في غير هذا الموضع . كقوله في الغوص والعمل سواء :
وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ
( 37 ) [ ص : 37 ] الآية ، وقوله في العمل غير الغوص :
وَمِنَ