تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
وهذه الآية الكريمة تدل على اقتضاء الأمر للوجوب ؛ لأنه أطلق اسم المعصية على عدم امتثال الأمر ، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة : كقوله تعالى :
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
( 63 ) [ النور : 16 ] ، وقوله :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
[ الأحزاب : 36 ] فجعل أمره وأمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم مانعا من الاختيار ، موجبا للامتثال . وقوله تعالى :
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ
[ الأعراف : 12 ] فوبخه هذا التوبيخ الشديد على عدم امتثال الأمر المدلول عليه بصيغة أفعل في قوله تعالى :
اسْجُدُوا لِآدَمَ
[ البقرة : 34 ] . وجماهير الأصوليين على أن صيغة الأمر المجردة عن القرائن تقتضي الوجوب للأدلة التي ذكرنا وغيرها مما هو مماثل لها ؛ وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله :
وافعل لدى الأكثر للوجوب * وقيل للندب أو المطلوب
الخ . قوله تعالى :
قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ( 94 )
[ 94 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن هارون قاله لأخيه موسى
يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي
وذلك يدل على أنه لشدة غضبه أراد أن يمسك برأسه ولحيته . وقد بين تعالى في « الأعراف » أنه أخذ برأسه يجره إليه ؛ وذلك في قوله :
أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ
[ الأعراف : 150 ] . وقوله :
وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
( 94 ) من بقية كلام هارون ؛ أي خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ، وأن تقول لي لم ترقب قولي ! أي لم تعمل بوصيتي وتمتثل أمري .

تنبيه

هذه الآية الكريمة بضميمة آية « الأنعام » إليها تدل على لزوم إعفاء اللحية ، فهي دليل قرآني على إعفاء اللحية وعدم حلقها . وآية الأنعام المذكورة هي قوله تعالى :
وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ
[ الأنعام : 84 ] الآية . ثم إنه تعالى قال بعد أن عد الأنبياء الكرام المذكورين
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
[ الأنعام : 90 ] فدل ذلك على أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم بالاقتداء بهم ، وأمره صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك أمر لنا ؛ لأن أمر القدوة أمر لأتباعه ! كما بينا إيضاحه بالأدلة القرآنية في هذا الكتاب المبارك في سورة « المائدة » وقد قدمنا هناك : أنه ثبت في صحيح البخاري : أن مجاهدا سأل ابن عباس : من أين أخذت السجدة في « ص » قال : أو ما تقرأ
وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ
[ الأنعام : 84 ]
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
[ الأنعام : 90 ] فسجدها داود فسجدها