افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ
( 17 ) [ يونس : 17 ] ، وقوله في « الأنعام » :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
( 21 ) [ الأنعام :
21 ] ؛ إلى غير ذلك من الآيات .
ويفهم من مفهوم مخالفة الآيات المذكورة : أن من جانب تلك الصفات التي استوجبت نفي الفلاح عن السحرة والكفرة - غيرهم أنه ينال الفلاح ، وهو كذلك ، كما بينه جل وعلا في آيات كثيرة ؛ كقوله :
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
( 5 ) [ البقرة : 5 ] ، وقوله تعالى :
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
( 1 ) [ المؤمنون : 1 ] الآية ، والآيات بمثل ذلك كثيرة .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ
مضارع أفلح بمعنى نال الفلاح . والفلاح يطلق في العربية على الفوز بالمطلوب ؛ ومنه قول لبيد :
فاعقلي إن كنت لما تعقلي * ولقد أفلح من كان عقل
فقوله « ولقد أفلح من كان عقل » يعني أن من رزقه اللّه العقل فاز بأكبر مطلوب .
ويطلق الفلاح أيضا على البقاء والدوام في النعيم ؛ ومنه قول لبيد :
لو أن حيا مدرك الفلاح * لناله ملاعب الرماح
فقوله « مدرك الفلاح » يعني البقاء . وقول الأضبط بن قريع السعدي ، وقيل كعب بن زهير :
لكل هم من الهموم سعة * والمسى والصبح لا فلاح معه
يعني أنه ليس مع تعاقب الليل والنهار بقاء . وبكل واحد من المعنيين فسر بعض أهل العلم « حيّ على الفلاح » في الأذان والإقامة .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
حَيْثُ أَتى
( 69 ) حيث كلمة تدل على المكان ، كما تدل حين على الزمان ، ربما ضمنت معنى الشرط . فقوله :
وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى
( 69 ) أي حيث توجه وسلك . وهذا أسلوب عربي . معروف يقصد به التعميم ؛ كقولهم :
فلان متصف بكذا حيث سير ، وأية سلك ، وأينما كان ؛ ومن هذا القبيل قول زهير :
بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا * وزودوك اشتياقا أية سلكوا
وقال القرطبي رحمه اللّه في تفسير هذه الآية :
وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى
( 69 ) أي لا يفوز ولا ينجو حيث أتى من الأرض . وقيل : حيث احتال . والمعنى في الآية هو ما بينا واللّه تعالى أعلم .