تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
فالمصدر كامن في مفهومه إجماعا ، وهذا المصدر الكاهن في مفهوم الفعل في حكم النكرة فيرجع ذلك إلى النكرة في سياق النفي وهي صيغة عموم عند الجمهور . فظهر أن الفعل في سياق النفي من صيغ العموم ، وكذلك الفعل في سياق الشرط ؛ لأن النكرة في سياق الشرط أيضا صيغة عموم . وأكثر أهل العلم على ما ذكرنا من أن الفعل في سياق النفي أو الشرط من صيغ العموم ، خلافا لبعضهم فيما إذا لم يؤكد الفعل المذكور بمصدر ؛ فإن أكد به فهو صيغة عموم بلا خلاف ، كما أشار إلى ذلك في مراقي السعود بقوله عاطفا على صيغ العموم :
ونحو لا شربت أو إن شربا * واتفقوا إن مصدر قد جلبا
والتحقيق في هذه المسألة : أنها لا تختص بالفعل المتعدي دون اللازم ، خلافا لمن زعم ذلك ، وأنه لا فرق بين التأكيد بالمصدر وعدمه ؛ لإجماع النحاة على أن ذكر المصدر بعد الفعل تأكيد للفعل ، والتأكيد لا ينشأ به حكم ، بل هو مطلق تقوية لشيء ثابت قبل ذلك كما هو معروف . وخلاف العلماء في عموم الفعل المذكور هل هو بدلالة المطابقة أو الالتزام - معروف . وإذا علمت ذلك - فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ
الآية - يعم نفي جميع أنواع الفلاح عن الساحر ، وأكد ذلك بالتعميم في الأمكنة بقوله :
حَيْثُ أَتى
( 69 ) وذلك دليل على كفره ؛ لأن الفلاح لا ينفي بالكلية نفيا عاما إلا عمن لا خير فيه وهو الكافر . ويدل على ما ذكرنا أمران : الأول - هو ما جاء من الآيات الدالة على أن الساحر كافر ؛ كقوله تعالى :
وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ
[ البقرة : 102 ] الآية ؛ فقوله
وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ
يدل على أنه لو كان ساحرا - وحاشاه من ذلك - لكان كافرا . وقوله
وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ
صريح في كفر معلم السحر ، وقوله تعالى عن هاروت وماروت مقررا له :
وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ
[ البقرة : 102 ] ، وقوله :
وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ
[ البقرة : 102 ] أي من نصيب ، ونفي النصيب في الآخرة بالكلية لا يكون إلا للكافر عياذا باللّه تعالى . وهذه الآيات أدلة واضحة على أن من السحر ما هو كفر بواح ، وذلك مما لا شك فيه . الأمر الثاني - أنه عرف باستقراء القرآن أن الغائب فيه أن لفظة
لا يُفْلِحُ
يراد بها الكافر ، كقوله تعالى في سورة « يونس » :
قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 68 ) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( 69 ) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ
( 70 ) [ يونس : 68 - 70 ] ، وقوله في « يونس » أيضا :
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 335 | الشنقيطي