فالأزواج : جمع زوج ، وهو هنا الصنف من النبات ، كما قال تعالى في سورة « الحج » :
وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
( 5 ) [ الحج : 5 ] أي من كل صنف حسن من أصناف النبات ، وقال تعالى في سورة « لقمان » :
خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ
( 10 ) [ لقمان : 10 ] أي من كل نوع حسن من أنواع النبات ، وقال تعالى في سورة « يس » :
سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ
( 36 ) [ يس : 36 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقوله
شَتَّى
( 53 ) نعت لقوله :
أَزْواجاً
ومعنى قوله :
نَباتٍ شَتَّى
( 53 ) أي أصنافا مختلفة الأشكال والمقادير ، والمنافع والألوان ، والروائح والطعوم . وقيل
شَتَّى
( 53 ) جمع ل « نبات » أي نبات مختلف كما بيّنا . والأظهر الأول ، وقوله
شَتَّى
( 53 ) جمع شتيت ؛ كمريض ومرضى . والشتيت :
المتفرّق ؛ ومنه قول رؤبة يصف إبلا جاءت مجتمعة ثمّ تفرّقت ، وهي تثير غبارا مرتفعا :
جاءت معا وأطرقت شتيتا * وهي تثير الساطع السختيتا
وثغر شتيت : أي متفلّج لأنّه متفرّق الأسنان ؛ أي ليس بعضها لاصقا ببعض .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا
قد قدّمنا أنّ معنى السلك :
الإدخال . وقوله
سَلَكَ
هنا معناه أنه جعل في داخل الأرض بين أوديتها وجبالها سبلا فجاجا يمرّ الخلق معها . وعبّر عن ذلك هنا بقوله :
وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا
وعبّر في مواضع أخر عن ذلك بالجعل ، كقوله في « الأنبياء » :
وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
( 31 ) [ الأنبياء : 31 ] وقوله في « الزخرف » :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
( 10 ) [ الزخرف : 10 ] وعبّر في بعض المواضع عن ذلك بالإلقاء كقوله في « النحل » :
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
( 15 ) [ النحل : 15 ] لأن عطف السنبل على الرواسي ظاهر في ذلك .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ
أي كلوا أيها الناس من الثمار والحبوب الّتي أخرجناها لكم من الأرض بالماء الذي أنزلنا من جميع ما هو غذاء لكم من الحبوب والفواكه ونحو ذلك ، وارعوا أنعامكم ؛ أي أسيموها وسرّحوها في المرعى الذي يصلح لأكلها . تقول : رعت الماشية الكلأ ، ورعاها صاحبها : أي أسلمها وسرّحها .
يلزم ويتعدّى . والأمر في قوله
كُلُوا وَارْعَوْا
للإباحة . ولا يخفى ما تضمّنه من الامتنان والاستدلال على استحقاق المنعم بذلك العبادة وحده .
وما ذكره في هذه الآية الكريمة : من الامتنان على بني آدم بأرزاقهم وأرزاق أنعامهم جاء موضحا في مواضع أخر ؛ كقوله في سورة « السجدة » :
فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ
( 27 ) [ السجدة : 27 ] ، وقوله في « النازعات » :
أَخْرَجَ مِنْها ماءَها