تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
ومعلوم أن القراءة سنة متبعة لا تجوز بالقياس ؛ ولذا يوقف على « لم » بسكون الميم لإبهاء السكت كما في البيت . ومعنى عبادته للشيطان في قوله
لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ
طاعته للشيطان في الكفر والمعاصي . فذلك الشرك شرك طاعة ، كما قال تعالى :
* أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 60 ) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
( 61 ) [ يس : 60 - 61 ] كما تقدم هذا المبحث مستوفى في سورة « الإسراء » وغيرها . والآية تدل على أن الكفار المعذبين يوم القيامة أولياء الشيطان ؛ لقوله هنا
إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا
( 45 ) والآيات الدالة على أن الكفار أولياء الشيطان كثيرة ، وقد قدمنا كثيرا من ذلك في سورة الكهف وغيرها ، كقوله تعالى :
فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ
[ النساء : 76 ] الآية ، وقوله :
إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ
[ آل عمران : 175 ] الآية ، أي يخوفكم أولياءه ؛ وقوله :
إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ الأعراف : 30 ] الآية إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم . وكل من كان الشيطان يزين له الكفر والمعاصي فيتبعه في ذلك في الدنيا فلا ولي له في الآخرة إلا الشيطان ؛ كما قال تعالى :
تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
( 63 ) [ النحل : 63 ] ومن كان لا ولي له يوم القيامة إلا الشيطان تحقق أنه لا ولي له ينفعه يوم القيامة . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ
يعني ما علمه اللّه من الوحي وما ألهمه وهو صغير ، كما قال تعالى :
* وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ
( 51 ) [ الأنبياء : 51 ] ومحاجة إبراهيم لقومه كما ذكرنا بعض الآيات الدالة عليها أثنى اللّه بها على إبراهيم ، وبين أنها حجة اللّه آتاها نبيه إبراهيم ؛ كما قال تعالى :
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ
[ الأنعام : 83 ] الآية ، وقال تعالى :
وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ
[ الأنعام : 80 ] الآية ، وكون الآيات المذكورة واردة في محاجته لهم المذكورة في سورة « الأنعام » لا ينافي ما ذكرنا ؛ لأن أصل المحاجة في شيء واحد وهو توحيد اللّه جل وعلا ، وإقامة الحجة القاطعة على أنه لا معبود إلا هو وحده جل وعلا في سورة « الأنعام » وفي غيرها . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى :
قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ( 46 ) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ( 47 )
[ 46 - 47 ] . بين اللّه جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين : أن إبراهيم لما نصح أباه النصيحة المذكورة مع ما فيها من الرفق واللين ، وإيضاح الحق والتحذير من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر . ومن عذاب اللّه تعالى وولاية الشيطان - خاطبة هذا الخطاب العنيف ، وسماه باسمه