دخول الجنة . وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لن يدخل أحدكم عمله الجنّة » قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟
قال : « ولا أنا إلا يتغمدني اللّه برحمة منه وفضل » « 1 » يرد بسببه إشكال على ذلك .
فالجواب - أن العمل لا يكون سببا لدخول الجنة إلا إذا تقبله اللّه تعالى وتقبله له فضل منه . فالفعل الذي هو سبب لدخول الجنة هو الذي تقبله اللّه بفضله ، وغيره من الأعمال لا يكون سببا لدخول الجنة . وللجمع بين الحديث والآيات المذكورة أوجه أخر ، هذا أظهرها عندي . والعلم عند اللّه تعالى . وقد قدمنا أن « النزل » هو ما يهيأ من الإكرام للضيف أو القادم .
قوله تعالى :
خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا ( 108 )
[ 108 ] آية .
أي خالدين في جنات الفردوس لا يبغون عنها حولا ، أي تحولا إلى منزل آخر ، لأنها لا يوجد منزل أحسن منها يرغب في التحول إليه عنها ، بل هم خالدون فيها دائما من غير تحول ولا انتقال . وهذا المعنى المذكور هنا جاء موضحا في مواضع أخر ، كقوله :
الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ
[ فاطر : 35 ] أي الإقامة أبدا ، وقوله :
وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ( 2 ) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً
( 3 ) [ الكهف : 2 - 3 ] ، وقوله :
إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ
( 54 ) [ ص : 54 ] ، وقوله :
عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ
( 108 ) [ هود : 108 ] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على دوامهم فيها ، ودوام نعيمها لهم . والحول : اسم مصدر بمعنى التحول .
قوله تعالى :
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً ( 109 )
[ 109 ] آية .
أمر جل وعلا نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية الكريمة : أن يقول
لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي
أي لو كان ماء البحر مدادا للأقلام التي تكتب بها كلمات اللّه « لنفد البحر » أي فرغ وانتهى قبل أن تنفد كلمات ربي
وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً
( 109 ) أي ببحر آخر مثله مددا ، أي زيادة عليه .
وقوله « مددا » منصوب على التمييز ، ويصح إعرابه حالا . وقد زاد هذا المعنى إيضاحا في سورة « لقمان » في قوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
[ لقمان : 27 ] الآية . وقد دلت هذه الآيات على أن كلماته تعالى لا نفاد لها سبحانه وتعالى علوا كبيرا .
قوله تعالى :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
[ 110 ] آية .
أمر جل وعلا نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية الكريمة أن يقول للناس :
إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
أي
هامش
( 1 ) أخرجه عن عائشة : البخاري في الرقاق حديث 6467 ، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم حديث 78 .