قوله تعالى :
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 3 )
[ 3 ] .
هدد اللّه تعالى الكفار في هذه الآية الكريمة بأمره نبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يتركهم يأكلون ويتمتعون ، فسوف يعلمون حقيقة ما يؤول إليه الأمر من شدة تعذيبهم وإهانتهم . وهددهم هذا النوع من التهديد في مواضع أخر كقوله
وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ
( 21 ) [ إبراهيم : 30 ] وقوله :
كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ
( 46 ) [ المرسلات : 46 ] وقوله :
قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ
( 8 ) [ الزمر : 8 ] وقوله :
فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ
( 83 ) [ الزخرف : 83 ] وقوله
فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ
( 45 ) [ الطور : 45 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وقد تقرر في فن المعاني وفي مبحث الأمر عند الأصوليين أن من المعاني التي تأتي لها صيغة أفعل التهديد كما في الآية المذكورة وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ( ذرهم ) يعني اتركهم ، وهذا الفعل لم يستعمل منه إلا الأمر والمضارع ، فماضيه ترك ، ومصدره الترك ، واسم الفاعل منه تارك ، واسم المفعول منه متروك . وقال بعض العلماء : هذه الآية منسوخة بآيات السيف ، والعلم عند اللّه تعالى . قال القرطبي : « والأمل الحرص على الدنيا والانكباب عليها والحب لها والإعراض عن الآخرة » ، وعن الحسن رحمه اللّه أنه قال : « ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل » ، وقد قدمنا علاج طول الأمل في سورة البقرة .
قوله تعالى
وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ( 6 )
[ 6 ] .
قد يقال في هذه الآية الكريمة كيف يقرون بأنه أنزل إليه الذكر وينسبونه للجنون مع ذلك والجواب أن قولهم يا أيها الذي نزل عليه الذكر يعنون في زعمه تهكما منهم به ، ويوضح هذا المعنى ورود مثله من الكفار متهكمين بالرسل عليهم صلوات اللّه وسلامه في مواضع أخر كقوله تعالى عن فرعون مع موسى قال :
إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
( 27 ) [ الشعراء : 27 ] وقوله عن قوم شعيب
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
( 87 ) [ هود :
87 ] .
قوله تعالى :
لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 7 )
[ 7 ] .
لَوْ ما
في هذه الآية الكريمة للتحضيض وهو طلب الفعل طلبا حثيثا . ومعنى الآية :
أن الكفار طلبوا من النبي صلى اللّه عليه وسلم طلب تخصيص أن يأتيهم بالملائكة ليكون إتيان الملائكة معه دليلا على صدقه أنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وبين طلب الكفار هذا في آيات أخر كقوله عن فرعون مع موسى :
فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ
( 53 ) [ الزخرف :
53 ] وقوله :
* وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً
( 21 ) [ الفرقان : 21 ] ، وقوله :
وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً