وقد أوضح جلّ وعلا هذا المعنى في مواضع أخر ؛ كقوله عن لقمان مقررا له
وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ . . .
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ
[ لقمان : 18 - 19 ] الآية ، وقوله :
وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً
[ الفرقان : 63 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات .
وأصل المرح في اللغة : شدة الفرح والنشاط ، وإطلاقه على مشي الإنسان متبخترا مشي المتكبرين ، لأن ذلك من لوازم شدة الفرح والنشاط عادة .
وأظهر القولين عندي في قوله تعالى :
إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ
أن معناه لن تجعل فيها خرقا بدوسك لها وشدة وطئك عليها ، ويدل لهذا المعنى قوله بعده
وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا
( 37 ) أي أنت أيها المتكبر المختال : ضعيف حقير عاجز محصور بين جمادين ! أنت عاجز عن التأثير فيهما . فالأرض التي تحتك لا تقدر أن تؤثر فيها فتخرقها بشدة وطئك عليها ، والجبال الشامخة فوقك لا يبلغ طولك طولها . فاعرف قدرك ! ولا تتكبر ، ولا تمش في الأرض مرحا .
القول الثاني - أن معنى
لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ
لن تقطعها بمشيك ؛ قاله ابن جرير ، واستشهد له بقول رؤبة بن العجاج :
وقاتم الأعماق خاوي المخترق * مشتبه الأعلام لماع الخفق
لأن مراده بالمخترق : مكان الاختراق ؛ أي المشي والمرور فيه . وأجود الأعاريب في قوله
طُولًا
( 37 ) أنه تمييز محول عن الفاعل ، أي لن يبلغ طولك الجبال . خلافا لمن أعربه حالا ومن أعربه مفعولا من أجله . وقد أجاد من قال :
ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا * فكم تحتها قوم هم منك أرفع
وإن كنت في عز وحرز ومنعة * فكم مات من قوم هم منك أمنع
واستدل بعض أهل العلم بقوله تعالى :
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً
على منع الرقص وتعاطيه ؛ لأن فاعله ممن يمشي مرحا .
قوله تعالى :
أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً ( 40 )
[ 40 ] .
الهمزة في قوله
أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ
للانكار ومعنى الآية ؛ أفحصكم ربكم على وجه الخصوص والصفاء بأفضل الأولاد وهم البنون ، لم يجعل فيهم نصيبا لنفسه ، واتخذ لنفسه أدونهم وهي البنات ! وهذا خلاف المعقول والعادة . فإن السادة لا يؤثرون عبيدهم بأجود الأشياء وأصفاها من الشوب ، ويتخذون لأنفسهم أردأها وأدونها . فلو كان جل وعلا متخذا ولدا « سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا » لاتخذ أجود النصيبين ولم يتخذ أردأهما !