قال القرطبي في تفسيره : وهذا المعنى أبلغ في الحجة ؛ فإنه يقع تكذيبه من جوارحه ، وتلك غاية الخزي كما قال :
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
( 65 ) [ يس : 65 ] ، وقوله :
شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 20 ) [ فصلت : 20 ] .
قال مقيده عفا اللّه عنه : والقول الأول أظهر عندي ، وهو قول الجمهور .
وفي الآية الكريمة نكتة نبه عليها في مواضع أخر ؛ لأن قوله تعالى :
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
( 36 ) يفيد تعليل النهي في قوله :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
بالسؤال عن الجوارح المذكورة ، لما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه : أن « إن » المكسورة من حروف التعليل . وإيضاحه : أن المعنى انته عما لا يحل لك لأن اللّه أنعم عليك بالسمع والبصر والعقل لتشركه ، وهو مختبرك بذلك وسائلك عنه ، فلا تستعمل نعمه في معصيته .
ويدل لهذا المعنى قوله تعالى :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
( 78 ) [ النحل : 78 ] ، ونحوها من الآيات .
والإشارة في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة بقوله :
أُولئِكَ
راجعة إلى
السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ
وهو دليل على الإشارة « بأولئك » لغير العقلاء وهو الصحيح . ومن شواهده في العربية قول الشاعر وهو العرجي :
يا ما أميلح غزلانا شدن لنا * من هؤلياء كن الضال والسمر
وقول جرير :
ذم المنازل بعد منزلة اللو * والعيش بعد أولئك الأيام
خلافا لمن زعم أن بيت جرير لا شاهد فيه ، وأن الرواية فيه « بعد أولئك الأقوام » والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا ( 37 )
[ 37 ] .
نهى اللّه جل وعلا الناس في هذه الآية الكريمة عن التجبر والتبختر في المشية . وقوله
مَرَحاً
مصدر منكر ، وهو حال على حد قول ابن مالك في الخلاصة :
ومصدر منكر حالا يقع * بكثرة كبغتة زيد طلع
وقرء « مرحا » بكسر الراء على أنه الوصف من مرح ( بالكسر ) يمرح ( بالفتح ) أي لا تمش في الأرض في حال كونك متبخترا متمايلا مشي الجبارين .