ومن الأمر الواضح أنه إذا أراد إهلاك نفسه صونا لماله للوارث - أن الشارع يمنعه من هذا التصرف الزائغ عن طريق الصواب ، ويجبره على صون دمه بماله .
وما احتج به الطحاوي من الإجماع على أنه لو قال له : أعطني كذا على ألا أقتلك لا يجبر على ذلك - يجاب عنه بأنه لو قال : أعطني الدية المقررة في قتل العمد فإنه يجبر على ذلك ؛ لنص الحديث ، والآية المذكورين .
ولو قال له : أعطني كذا غير الدية لم يجبر ؛ لأنه طلب غير الشيء الذي أوجبه الشارع ، والعلم عند اللّه تعالى .
المسألة الخامسة - جمهور العلماء على أن القتل له ثلاث حالات :
الأولى - العمد ، وهو الذي فيه السلطان المذكور في الآية كما قدمنا .
والثانية - شبه العمد ، والثالثة - الخطأ .
وممن قال بهذا : الأئمة الثلاثة : أبو حنيفة ، وأحمد ، والشافعي . ونقله في المغني عن عمر ، وعلي رضي اللّه عنهما ، والشعبي والنخعي ، وقتادة ، وحماد ، وأهل العراق ، والثوري ، وغيرهم .
وخالف الجمهور مالك رحمه اللّه فقال : القتل له حالتان فقط . الأولى - العمد والثانية - الخطأ . وما يسميه غيره شبه العمد جعله من العمد .
واستدل رحمه اللّه بأن اللّه لم يجعل في كتابه العزيز واسطة بين العمد والخطأ ؛ بل ظاهر القرآن أنه لا واسطة بينهما ؛ كقوله :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ
[ النساء : 92 ] الآية ، ثم قال في العمد :
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ
[ النساء : 93 ] الآية ، فلم يجعل بين الخطأ والعمد واسطة ، وكقوله تعالى :
وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ
[ الأحزاب : 5 ] الآية ؛ فلم يجعل فيها بين الخطأ والعمد واسطة وإن كانت في غير القتل .
واحتج الجمهور على أن هناك واسطة بين الخطأ المحض ، والعمد المحض ، تسمى خطأ شبه عمد بأمرين :
الأول - أن هذا هو عين الواقع في نفس الأمر ؛ لأن من ضرب بعصا صغيرة أو حجر صغير لا يحصل به القتل غالبا وهو قاصد للضرب معتقدا أن المضروب لا يقتله ذلك الضرب ؛ ففعله هذا شبه العمد من جهة قصده أصل الضرب وهو خطأ في القتل ؛ لأنه ما كان يقصد القتل ، بل وقع القتل من غير قصده إياه .