النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ إذ لا يجوز للحاكم أن يتحكم لمن ثبت له أحد شيئين بأحدهما من قبل أن يعلمه بأن الحق له في أحدهما . فلما حكم بالقصاص وجب أن يحمل عليه قوله « فهو بخير النظرين » أي ولي المقتول مخير بشرط أن يرضى الجاني أن يغرم الدية اه .
وتعقب ابن حجر في « فتح الباري » احتجاج الطحاوي هذا بما نصه : وتعقب بأنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كتاب اللّه القصاص » إنما وقع عند طلب أولياء المجني عليه في العمد القود ؛ فأعلم أن الكتاب اللّه نزل على أن المجني إذا طلب القود أجيب إليه ؛ وليس فيما ادعاه من تأخير البيان .
الثاني - ما ذكره الطحاوي أيضا : من أنهم أجمعوا على أن الولي لو قال للقائل :
رضيت أن تعطيني كذا على ألا أقتلك - أن القاتل لا يجبر على ذلك . ولا يؤخذ منه كرها ، وإن كان يجب عليه أن يحقن دم نفسه .
الثالث - أن قوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث المذكور « فهو بخير النظرين . . » الحديث جار مجر الغالب فلا مفهوم مخالفة له . وقد تقرر في الأصول : أن النص إذا جر على الغالب لا يكون له مفهوم مخالفة لاحتمال قصد نفس الأغلبية دون قصد إخراج المفهوم عن حكم المنطوق . ولذا لم يعتبر جمهور العلماء مفهوم المخالفة في قوله تعالى :
وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ
[ النساء : 23 ] الآية ؛ لجريه على الغالب ، وقد ذكرنا هذه المسألة في هذا الكتاب المبارك مرارا .
وإيضاح ذلك في الحديث - أن مفهوم قوله « فهو بخير النظرين » أن الجاني لو امتنع من قبول الدية وقدم نفسه للقتل ممتنعا من إعطاء الدية - أنه يجبر على إعطائها ؛ لأن هذا أحد النظرين اللذين خير الشارع ولي المقتول بينهما . والغالب أن الإنسان يقدم نفسه على ماله فيفتد بماله من القتل . وجريان الحديث على هذا الأمر الغالب يمنع من اعتبار مفهوم مخالفته كما ذكره أهل الأصول ، وعقده في « مراقي السعود » بقوله في موانع اعتبار دليل الخطاب ، أعني مفهوم المخالفة :
أو جهل الحكم أو النطق انجلب * للسؤل أو جر على الذي غلب
ومحل الشاهد قوله « أو جر على الذي غلب » إلى غير ذلك من الأدلة التي احتجوا بها .
قال مقيده عفا اللّه عنه : الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه المسألة : أو ولي المقتول هو المخير بين الأمرين ، فلو أراد الدية وامتنع الجاني فله إجباره على دفعها ؛ لدلالة الحديث المتفق عليه على ذلك ، ودلالة الآية المتقدمة عليه ، ولأن اللّه يقول :
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
[ النساء : 29 ] الآية ، ويقول :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
[ البقرة : 195 ] .