وذلك لا إشكال فيه على الجاري على أصول الأئمة إلا أبا حنيفة رحمه اللّه ؛ لأن المقرر في أصوله أن الزيادة على النص نسخ ، وأن المتواتر لا ينسخ بالآحاد ؛ كما تقدم إيضاحه في سورة « الأنعام » . ولكن الإمام أبا حنيفة رحمه اللّه وافق الجمهور في هذه المسألة ، خلافا لمالك كما تقدم .
فإذا تقرر ما ذكرنا من أن حالات القتل ثلاث - فاعلم أن العمد المحض فيه القصاص . وقد قدمنا حكم العفو فيه . والخطأ شبه العمد . والخطأ المحض فيهما الدية على العاقلة .
واختلف العلماء في أسنان الدية فيهما . وسنبين إن شاء اللّه تعالى مقادير الدية في العمد المحض إذا وقع العفو على الدية ، وفي شبه العمد . وفي الخطأ المحض .
اعلم أن الجمهور على أن الدية في العمد المحض وشبه العمد سواء . واختلفوا في أسنانها فيهما ؛ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها تكون أرباعا : خمس وعشرون بنت مخاض ، وخمس وعشرون بنت لبون ، وخمس وعشرون حقة ، وخمس وعشرون جذعة .
وهذا هو مذهب مالك وأبي حنيفة ، والرواية المشهورة عن أحمد ، وهو قول الزهري ، وربيعة ، وسليمان بن يسار ، ويرو عن ابن مسعود ؛ كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني .
وذهبت جماعة أخر إلى أنها ثلاثون حقة ، وثلاثون جذعة ، وأربعون في بطونها أولادها .
وهذا مذهب الشافعي ، وبه قال عطاء ، ومحمد بن الحسن ، وروي عن عمر ، وزيد ، وأبي موسى ، والمغيرة . ورواه جماعة عن الإمام أحمد .
قال مقيده عفا اللّه عنه : وهذا القول هو الذي يقتضي الدليل رجحانه ؛ لما تقدم في حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص عند أبي داود ، والنسائي ، وابن ماجة : من أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « منها أربعون خلفة في بطونها أولادها » وبعض طرقه صحيح كما تقدم .
وقال البيهقي « 1 » في بيان الستين التي لم يتعرض لها هذا الحديث : ( باب صفة الستين التي مع الأربعين ) ثم ساق أسانيده عن عمر ، وزيد بن ثابت ، والمغيرة بن شعبة ، وأبي موسى الأشعري ، وعثمان بن عفان ، وعلي في إحد روايتيه عنه أنها ثلاثون حقة ، وثلاثون جذعة .
وقال ابن قدامة في المغني « 2 » مستدلا لهذا القول : ودليله هو ما رواه عمرو بن
هامش
( 1 ) السنن الكبر ، كتاب الديات 8 / 69 .
( 2 ) المغني 7 / 766 .