القرابة . فدلّ ذلك على أنّ الأخوة الدينية أقرب من النبوّة النّسبيّة .
وبالجملة ، فلا خلاف بين المسلمين أنّ الرابطة الّتي تربط أفراد أهل الأرض بعضهم ببعض ، وتربط بين أهل الأرض والسماء ، هي رابطة « لا إله إلّا اللّه » فلا يجوز البتّة النداء برابطة غيرها . ومن والى الكفار بالروابط النّسبيّة محبّة لهم ، ورغبة فيهم يدخل في قوله تعالى
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
[ المائدة : 51 ] ، وقوله تعالى :
إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ
( 73 ) [ الأنفال : 73 ] والعلم عند اللّه تعالى .
وبالجملة - فالمصالح الّتي عليها مدار الشرائع ثلاثة :
الأولى - درء المفاسد المعروف عند أهل الأصول بالضروريّات .
والثانية - جلب المصالح ، المعروف عند أهل الأصول بالحاجيّات .
والثالثة - الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات ، المعروف عند أهل الأصول بالتحسينيّات والتتميمات . وكل هذه المصالح الثلاث هد فيها القرآن العظيم للطريق الّتي هي أقوم الطرق وأعد لها .
فالضروريّات الّتي هي درء المفاسد - إنّما هي درؤها عن ستة أشياء :
الأوّل - الدّين ، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعد لها ؛ كما قال تعالى :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ
[ البقرة : 193 ] ، وفي آية الأنفال :
وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ
[ الأنفال : 39 ] وقال تعالى :
تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ
[ الفتح :
16 ] ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أمرت أن أقاتل الناس حتّى يشهدو أن لا إله إلّا اللّه » « 1 » الحديث ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من بدّل دينه فاقتلوه » « 2 » إلى غير ذلك من الأدلّة على المحافظة على الدين .
والثاني - النفس ، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليها بأقوم الطرق وأعدلها ؛ ولذلك أوجب القصاص درءا للمفسدة عن الأنفس ، كما قال تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ
[ البقرة : 179 ] الآية ، وقال :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى
[ البقرة : 178 ] الآية ، وقال :
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً
[ الإسراء : 33 ] الآية .
الثالث - العقل ، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها ؛ قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ
إلى قوله
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
( 91 ) [ المائدة : 91 ] . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « كل مسكر
هامش
( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في الزكاة حديث 1399 ، والجهاد حديث 2946 ، ومسلم في الإيمان حديث 32 و 33 و 34 ، وأخرجه عن ابن عمر : البخاري في الإيمان حديث 25 ، ومسلم في الإيمان حديث 36 .
( 2 ) سبق تخريجه في الجزء الثاني .