تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
* كما اشتر المسلم إذ تنصّرا *
وقد علم في التاريخ حال العرب قبل الإسلام وحالهم بعده كما لا يخفى . وقد بيّن اللّه جل وعلا في محكم كتابه : أنّ الحكمة في جعله بني آدم شعوبا وقبائل هي التعارف فيما بينهم . وليست هي أن يتعصّب كلّ شعب على غيره ، وكل قبيلة على غيرها ؛ قال جلّ وعلا :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
[ الحجرات : 13 ] فاللّام في قوله
لِتَعارَفُوا
لام التعليل ، والأصل لتتعارفوا ، وقد حذفت إحد التاءين . فالتعارف هو العلّة المشتملة على الحكمة لقوله :
وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ
ونحن حين نصرّح بمنع النداء بالروابط العصبيّة والأواصر النسبيّة ، ونقيم الأدلة على منع ذلك - لا ننكر أنّ المسلم ربّما انتفع بروابط نسبيّة لا تمتّ إلى الإسلام بصلة ؛ كما نفع اللّه نبيّه صلى اللّه عليه وسلم بعمّه أبي طالب . وقد بيّن اللّه جلّ وعلا أنّ عطف ذلك العمّ الكافر على نبيّه صلى اللّه عليه وسلم من منن اللّه عليه ؛ قال تعالى :
أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى
( 6 ) [ الضحى : 6 ] أي آواك بأن ضمّك إلى عمّك أبي طالب . ومن آثار هذه العصبيّة النسبيّة قول أبي طالب فيه صلى اللّه عليه وسلم :
واللّه لن يصلوا إليك بجمعهم * حتّى أوسّد في التراب دفينا
كما قدّمنا في سورة هود . وقد نفع اللّه بتلك العصبيّة النسبيّة شعيبا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كما قال تعالى عن قومه :
قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ
[ هود : 91 ] الآية . وقد نفع اللّه بها نبيّه صالحا أيضا عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام ؛ كما أشار تعالى لذلك بقوله :
قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ
( 49 ) [ النمل : 49 ] فقد دلّت الآية على أنّهم يخافون من أولياء صالح ، ولذلك لم يفكّروا أن يفعلوا به سوءا إلّا ليلا خفية . وقد عزموا أنّهم إن فعلوا به ذلك أنكروا وحلفوا لأوليائه أنّهم ما حضروا ما وقع بصالح خوفا منهم . ولمّا كان لوط عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام لا عصبة له في قومه ظهر فيه أثر ذلك حتّى قال :
لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ
( 80 ) [ هود : 80 ] وقد قدّمنا هذا مستوفى في « سورة هود » . فيلزم الناظر في هذه المسألة أن يفرّق بين الأمرين ، ويعلم أنّ النداء بروابط القوميّات لا يجوز على كلّ حال ، ولا سيّما إذا كان القصد بذلك القضاء على رابطة الإسلام ، وإزالتها بالكليّة بدعو أنه لا يساير التطور الجديد ، أو أنّه جمود وتأخّر عن مسايرة ركب الحضارة . نعوذ باللّه من طمس البصيرة . وأنّ منع النداء بروابط القوميّات لا ينافي أنّه ربّما انتفع المسلم بنصرة قريبه الكافر بسبب العواطف النسبيّة والأواصر العصبيّة الّتي لا تمتّ إلى الإسلام