وظاهر هذه الآية الكريمة : أن الاستعاذة من الشيطان الرجيم واجبة عند القراءة ؛ لأن صيغة افعل للوجوب كما تقرر في الأصول .
وقال كثير من أهل العلم : إن الأمر في الآية للندب والاستحباب ، وحكى عليه الإجماع أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة ، وظاهر الآية أيضا : الأمر بالاستعاذة عند القراءة في الصلاة لعموم الآية . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 99 ) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ( 100 )
[ 99 - 100 ] .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن الشيطان ليس له سلطان على المؤمنين المتوكلين على اللّه ، وأن سلطانه إنما هو على أتباعه الذين يتولّونه ، والذين هم به مشركون .
وبيّن هذا المعنى في غير هذا الموضع ، كقوله :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ
( 42 ) [ الحجر : 42 ] ، وقوله :
لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
( 83 ) [ ص : 83 ] ، وقوله :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا
( 65 ) [ الإسراء : 65 ] ، وقوله :
وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ
[ سبأ : 21 ] الآية ، وقوله :
وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي
[ إبراهيم : 22 ] .
واختلف العلماء في معنى السلطان في هذه الآية .
فقال أكثر أهل العلم : هو الحجة ، أي ليس للشيطان عليهم حجة فيما يدعوهم إليه من عبادة الأوثان .
وقال بعضهم : ليس له سلطان عليهم ؛ أي تسلط وقدرة على أن يوقعهم في ذنب لا توبة منه . وقد قدمنا هذا . والمراد : ب
الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ
الذين يطيعونه فيوالونه بالطاعة .
وأظهر الأقوال في قوله :
هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ
( 100 ) [ 100 ] أن الضمير عائد إلى الشيطان لا إلى اللّه . ومعنى كونهم مشركين به هو طاعتهم له في الكفر والمعاصي ؛ كما يدل عليه قوله تعالى :
* أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
( 60 ) [ يس :
60 ] ، وقوله عن إبراهيم :
يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ
[ مريم : 44 ] إلى غير ذلك من الآيات . وأما سلطانه على الذين يتولّونه فهو ما جعلوه له على أنفسهم من الطاعة والاتباع والموالاة ، بغير موجب يستوجب ذلك .
تنبيه
فإنه قيل : أثبت اللّه للشيطان سلطانا على أوليائه في آيات ؛ كقوله هنا
إِنَّما سُلْطانُهُ