اللفظ مشعر بأنه في الزمان الماضي كان غفورا رحيما ، مع أنه لم يكن هناك من يغفر له أو يرحم ، وبأنه ليس في الحال كذلك لما يشعر به لفظ ( كان ) .
والجواب عن الأول : بأن كان في الماضي تسمّى به . وعن الثاني : بأنّ ( كان ) تعطي معنى الدوام ، وقد قال النحاة : كان لثبوت خبرها ماضيا ، دائما أو منقطعا « 1 » .
وقد أخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس : أن يهوديا قال له : إنكم تزعمون أنّ اللّه كان عزيزا حكيما ، فكيف هو اليوم ؟ فقال : إنه كان في نفسه عزيزا حكيما .
موضع آخر ، توقّف فيه ابن عباس . قال أبو عبيدة : حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة قال : سأل رجل ابن عباس عن :
فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ
[ السجدة : 5 ] . وقوله
فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
[ المعارج : 4 ] . فقال ابن عباس : هما يومان ذكرهما اللّه تعالى في كتابه ؛ اللّه أعلم بهما « 2 » .
وأخرجه ابن أبي حاتم من هذا الوجه ، وزاد : ما أدري ما هما ، وأكره أن أقول فيهما ما لا أعلم . قال ابن أبي مليكة : فضربت البعير حتى دخلت على سعيد بن المسيّب ، فسئل عن ذلك فلم يدر ما يقول ؛ فقلت له : ألا أخبرك بما حضرت من ابن عباس ؟ فأخبرته ، فقال ابن المسيّب للسائل : هذا ابن عباس قد اتّقى أن يقول فيهما ، وهو أعلم منّي .
وروي عن ابن عباس أيضا : أنّ يوم الألف هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه ، ويوم الألف في سورة الحجّ : هو أحد الأيام الستة التي خلق اللّه فيها السماوات ، ويوم الخمسين ألفا هو يوم القيامة . فأخرج ابن أبي حاتم من طريق سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس :
أنّ رجلا قال له : حدّثني ، ما هؤلاء الآيات :
فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
[ المعارج : 4 ] . و
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ
[ السجدة : 5 ] .
وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ
[ الحج : 47 ] . فقال : يوم القيامة حساب خمسين ألف سنة ، والسماوات في ستة أيام كلّ يوم يكون ألف سنة ، و
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ
قال : ذلك مقدار المسير .
هامش
( 1 ) انتهى كلام الحافظ في الفتح .
( 2 ) عزاه في الدر المنثور 5 / 171 لعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه ، عن عبد الله بن أبي مليكة به . رواه عبد الرزاق في تفسيره ، 2 / 108 ، وسنده صحيح ، رجاله ثقات .