تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
الاختصار ، والتأكيد مبني على الطّول . ومن ثمّ ردّ الفارسيّ على الزّجّاج في قوله في :
إِنْ هذانِ لَساحِرانِ
[ طه : 63 ] إنّ التقدير : إن هذان لهما ساحران فقال : الحذف والتوكيد باللّام متنافيان ، وأمّا حذف الشيء لدليل وتوكيده فلا تنافي بينهما ، لأنّ المحذوف لدليل كالثابت . الرابع : ألّا يؤدّي حذفه إلى اختصار المختصر ، ومن ثمّ لم يحذف اسم الفعل لأنه اختصار للفعل . الخامس : ألّا يكون عاملا ضعيفا ، فلا يحذف الجار ، والناصب للفعل ، والجازم إلّا في مواضع قويت فيها الدلالة ، وكثر فيها استعمال تلك العوامل . السادس : ألّا يكون المحذوف عوضا عن شيء ، ومن ثمّ قال ابن مالك : إنّ حرف النداء ليس عوضا من ( أدعو ) لإجازة العرب حذفه . ولذا أيضا لم تحذف التاء من إقامة واستقامة . وأمّا :
وَإِقامَ الصَّلاةِ
[ الأنبياء : 73 ] فلا يقاس عليه ، ولا خبر كان : لأنه عوض أو كالعوض من مصدرها . السابع : ألّا يؤدّي حذفه إلى تهيئة العامل القويّ ، ومن ثمّ لم يقس على قراءة :
وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى
« 1 » [ الحديد : 10 ] . فائدة : اعتبر الأخفش في الحذف التدريج حيث أمكن ، ولهذا قال في قوله تعالى :
وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً
[ البقرة : 48 ] : إنّ الأصل ( لا تجزي فيه ) ، فحذف حرف الجرّ ، فصار ( تجزيه ) ثم حذف الضمير ، فصار
تَجْزِي
. وهذه ملاطفة في الصناعة . ومذهب سيبويه أنهما حذفا معا ، قال ابن جني : وقول الأخفش أوفق في النّفس ، وآنس من أن يحذف الحرفان معا في وقت واحد .

قاعدة الأصل أن يقدّر الشيء في مكانه الأصليّ :

لئلّا يخالف الأصل من وجهين : الحذف ، ووضع الشيء في غير محله . فيقدّر المفسّر في نحو ( زيدا رأيته ) مقدّما عليه . وجوّز البيانيون تقديره مؤخرا عنه لإفادة الاختصاص ، كما قاله النحاة ، وإذا منع منه مانع ، نحو :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ
[ فصلت : 17 ] . إذ لا يلي ( أمّا ) فعل .
هامش
( 1 ) قرأ ابن عامر : « وكل » بالرفع ، وقرأ الباقون بالنصب ، انظر حجّة كلّ قراءة في الكشف لمكي 2 / 307 - 308 ، وانظر النشر 2 / 384 .
الإتقان في علوم القرآن — صفحة 89 | جلال الدين السيوطي / فواز أحمد زمرلي