لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
[ محمد : 19 ] : إنّ الخبر محذوف ، أي : موجود .
وقد أنكره الإمام فخر الدين وقال : هذا الكلام لا يحتاج إلى تقدير ، وتقدير النحاة فاسد ؛ لأنّ نفي الحقيقة مطلقة أعمّ من نفيها مقيّدة ، فإنّها إذا انتفت مطلقة كان ذلك دليلا على سلب الماهية مع القيد ، وإذا انتفت مقيدة بقيد مخصوص لم يلزم نفيها مع قيد آخر .
وردّ : بأن تقديرهم : ( موجود ) يستلزم نفي كل إله غير اللّه قطعا ، فإن العدم لا كلام فيه ؛ فهو في الحقيقة نفي للحقيقة مطلقة لا مقيّدة . ثم لا بد من تقدير خبر ، لاستحالة مبتدأ بلا خبر ظاهر أو مقدّر ، وإنّما يقدّر النحويّ ليعطي القواعد حقّها ، وإن كان المعنى مفهوما .
تنبيه
قال ابن هشام : إنّما يشترط الدليل فيما إذا كان المحذوف الجملة بأسرها أو أحد ركنيها ، أو يفيد معنى فيها هي مبنيّة عليه ، نحو :
تَاللَّهِ تَفْتَؤُا
[ يوسف : 85 ] أمّا الفضلة فلا يشترط لحذفها وجدان دليل ، بل يشترط ألّا يكون في حذفها ضرر معنويّ أو صناعيّ .
قال : ويشترط في الدليل اللفظيّ أن يكون طبق المحذوف ، وردّ قول الفراء في :
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ
[ القيامة : 3 ، 4 ] : إنّ التقدير : ( بل ليحسبنا قادرين ) ؛ لأنّ الحسبان المذكور بمعنى الظن والمقدّر بمعنى العلم ، لأن التردّد في الإعادة كفر ، فلا يكون مأمورا به .
قال والصّواب فيها قول سيبويه : إنّ
قادِرِينَ
حال ، أي : بل نجمعها قادرين ، لأنّ فعل الجمع أقرب من فعل الحسبان ، ولأنّ ( بلى ) لإيجاب المنفيّ ، وهو فيها فعل الجمع .
الشرط الثاني : ألّا يكون المحذوف كالجزء : ومن ثمّ لم يحذف الفاعل ولا نائبه ولا اسم كان وأخواتها . قال ابن هشام « 1 » . وأما قول ابن عطية « 2 » في :
بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ
[ الجمعة : 5 ] إنّ التقدير : ( بئس المثل مثل القوم ) فإن أراد تفسير الإعراب ، وأن الفاعل لفظ ( المثل ) محذوفا فمردود ، وإن أراد تفسير المعنى ، وأنّ في
بِئْسَ
ضمير المثل مستترا فسهل .
الشرط الثالث : ألّا يكون مؤكّدا : لأنّ الحذف مناف للتأكيد ، إذ الحذف مبنيّ على
هامش
( 1 ) انظر مغني اللبيب 1 / 609 .
( 2 ) انظر تفسيره المحرر الوجيز 5 / 307 - 308 .