تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
قيام الساعة ، وتفسير الرّوح ، والحروف المقطّعة ، وكلّ متشابه في القرآن عند أهل الحقّ ، فلا مساغ للاجتهاد في تفسيره ، ولا طريق إلى ذلك إلّا بالتوقيف ، بنص من القرآن أو الحديث أو إجماع الأمة على تأويله . وأمّا ما يعلمه العلماء ويرجع إلى اجتهادهم : فهو الذي يغلب عليه إطلاق التأويل ؛ وذلك استنباط الأحكام ، وبيان المجمل وتخصيص العموم ، وكلّ لفظ احتمل معنيين فصاعدا : فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه ، وعليهم اعتماد الشواهد والدلائل دون مجرد الرأي ؛ فإن كل أحد المعنيين أظهر وجب الحمل عليه ، إلّا أن يقوم دليل على أنّ المراد هو الخفيّ . وإن استويا - والاستعمال فيهما حقيقة ؛ لكن في أحدهما حقيقة لغوية أو عرفية ، وفي الآخر شرعية - فالحمل على الشرعية أولى ، إلّا أن يدلّ دليل على إرادة اللغوية ، كما في :
وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ
[ التوبة : 103 ] . ولو كان في أحدهما عرفية والأخر لغوية : فالحمل على العرفية أولى ، لأنّ الشرع ألزم ، فإن تنافى اجتماعهما ، ولم يمكن إرادتهما باللفظ الواحد كالقرء للحيض والطهر ، اجتهد في المراد منهما بالأمارات الدالة عليه ، فما ظنّه فهو مراد اللّه تعالى في حقّه . وإن لم يظهر له شيء ، فهل يتخيّر في الحمل على أيّهما شاء ، أو يأخذ بالأغلظ حكما ، أو بالأخفّ ؟ أقوال . وإن لم يتنافيا وجب الحمل عليهما عند المحققين ، ويكون ذلك أبلغ في الإعجاز والفصاحة ، إلّا إن دل دليل على إرادة أحدهما . إذا عرف ذلك : فينزّل حديث : « من تكلم في القرآن برأيه » « 1 » على قسمين من هذه الأربعة : أحدها : تفسير اللفظ ، لاحتياج المفسّر له إلى التبحّر في معرفة لسان العرب . والثاني : حمل اللّفظ المحتمل على أحد معنييه ، لاحتياج ذلك إلى معرفة أنواع من العلوم ، والتبحّر في العربية واللغة ، ومن الأصول ما يدرك به حدود الأشياء ، وصيغ الأمر والنّهي والخبر ، والمجمل والمبيّن ، والعموم والخصوص ، والمطلق والمقيّد ، والمحكم والمتشابه ، والظاهر والمؤوّل ، والحقيقة والمجاز ، والصريح والكناية ، ومن [ علوم ] « 2 » الفروع ما يدرك به الاستنباط .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه 2 / 445 . ( 2 ) ما بين القوسين زيادة من البرهان 2 / 168 .