تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
رابعها : قياس الإعادة على إخراج النار من الشّجر الأخضر . وقد روى الحاكم وغيره : أنّ أبيّ بن خلف جاء بعظم ففتّه ، فقال : أيحيي اللّه هذا بعد ما بلي ورمّ « 1 » ؟ فأنزل اللّه :
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ يس : 79 ] . فاستدل سبحانه وتعالى بردّ النشأة الأخرى إلى الأولى ، والجمع بينهما بعلّة الحدوث . ثم زاد في الحجاج بقوله :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً
[ يس : 80 ] وهذه في غاية البيان في ردّ الشيء إلى نظيره ، والجمع بينهما من حيث تبديل الأعراض عليهما . خامسها : في قوله تعالى :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى
[ النحل : 38 ، 39 ] الآيتين . وتقريرهما : أنّ اختلاف المختلفين في الحقّ لا يوجب انقلاب الحقّ في نفسه ، وإنما تختلف الطرق الموصلة إليه ، والحقّ في نفسه واحد ، فلمّا ثبت أنّ هاهنا حقيقة موجودة لا محالة ، وكان لا سبيل لنا في حياتنا إلى الوقوف عليها وقوفا يوجب الائتلاف ويرفع عنا الاختلاف إذ كان الاختلاف مركوزا في فطرنا ، وكان لا يمكن ارتفاعه وزواله إلّا بارتفاع هذه الجبلّة ، ونقلها إلى صورة غيرها - صحّ ضرورة أنّ لنا حياة أخرى غير هذه الحياة ، فيها يرتفع الخلاف والعناد ، وهذه هي الحالة التي وعد اللّه بالمصير إليها فقال :
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ
[ الأعراف : 43 ] حقد ، فقد صار الخلاف الموجود كما ترى أوضح دليل على كون البعث الذي ينكره المنكرون . كذا قرّره ابن السيّد . ومن ذلك الاستدلال على أنّ صانع العالم واحد ، بدلالة التمانع المشار إليها في قوله :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء : 22 ] لأنه لو كان للعالم صانعان لكان لا يجري تدبيرهما على نظام ، ولا يتّسق على أحكام ، ولكان العجز يلحقهما أو أحدهما ؛ وذلك لأنه لو أراد أحدهما إحياء جسم وأراد الآخر إماتته : فإما أن تنفذ إرادتهما فيتناقض لاستحالة تجزي الفعل إن فرض الاتفاق ، أو لامتناع اجتماع الضدّين إن فرض الاختلاف . وإمّا ألّا تنفذ إرادتهما فيؤدّي إلى عجزهما ، أو لا تنفذ إرادة أحدهما فيؤدّي إلى عجزه ، والإله لا يكون عاجزا .
هامش
( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك 2 / 429 - ولكن عنده جاء العاص بن وائل - بل أبي بن خلف - عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس به وصححه على شرط الشيخين ولم يخرجاه . ووافقه الذهبي . ورواه الطبري في تفسيره ( 29243 ) 10 / 464 عن سعيد بن جبير به مرسلا - لم يذكر ابن عباس - . وقد رواه الطبري 10 / 464 عن مجاهد ، وقتادة مرسلا . والواحدي في أسباب النزول ص 365 ، وقد رواه ابن جرير ( 29244 ) 10 / 464 عن ابن عباس قال : جاء عبد اللّه بن أبي وأشار ابن جرير رحمه اللّه إلى هذا الاختلاف . ويتأيد الحديث بالمراسيل السابقة الذكر واللّه أعلم .