الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه ؛ استمرار لا يوجد له فترة ، ولا يقدر عليه أحد من البشر . وكلام العرب ومن تكلّم بلغتهم لا تستمرّ الفصاحة والبلاغة في جميع أنحائها في العالي منه إلّا في الشيء اليسير المعدود ، ثم تعرض الفترات الإنسانية ، فينقطع طيب الكلام ورونقه ، فلا تستمرّ لذلك الفصاحة في جميعه ، بل توجد في تفاريق وأجزاء منه .
وقال المراكشيّ في « شرح المصباح » : الجهة المعجزة في القرآن تعرف بالتفكّر في علم البيان ، وهو - كما اختاره جماعة في تعريفه - ما يحترز به عن الخطأ في تأدية المعنى ، وعن تعقيده ، وتعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه لمقتضى الحال .
لأنّ جهة إعجازه ليست مفردات ألفاظه ، وإلّا لكانت قبل نزوله معجزة ، ولا مجرّد تأليفها ؛ وإلّا لكان كلّ تأليف معجزا ، ولا إعرابها وإلّا لكان كل كلام معرب معجزا ، ولا مجرد أسلوبه وإلّا لكان الابتداء بأسلوب الشعر معجزا ، والأسلوب الطريق ، ولكان هذيان مسيلمة معجزا . ولأنّ الإعجاز يوجد دونه - أيّ الأسلوب - في نحو :
فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا
[ يوسف : 80 ] .
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
[ الحجر : 94 ] .
ولا بالصّرف عن معارضتهم ؛ لأن تعجّبهم كان من فصاحته ، ولأنّ مسيلمة وابن المقفّع والمعرّي وغيرهم ، قد تعاطوها ، فلم يأتوا إلّا بما تمجّه الأسماع ، وتنفر منه الطباع ، ويضحك منه في أحوال تركيبه ، وبها - أي بتلك الأحوال - أعجز البلغاء وأخرس الفصحاء .
فعلى إعجازه دليل إجماليّ ، وهو : أنّ العرب عجزت عنه وهو بلسانها ، فغيرها أحرى . ودليل تفصيليّ ، مقدّمته التفكّر في خواص تركيبه ، ونتيجته العلم بأنه تنزيل من المحيط بكل شيء علما .
وقال الأصبهانيّ في تفسيره : اعلم أنّ إعجاز القرآن ذكر من وجهين « 1 » : أحدهما إعجاز يتعلّق بنفسه ، والثاني بصرف الناس عن معارضته . فالأوّل : إمّا أن يتعلّق بفصاحته وبلاغته أو بمعناه ، أما الإعجاز المتعلّق بفصاحته وبلاغته فلا يتعلّق بعنصره ؛ الذي هو اللفظ والمعنى ؛ فإنّ ألفاظه ألفاظهم ، قال تعالى :
قُرْآناً عَرَبِيًّا
[ يوسف : 2 ] ،
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ
[ الشعراء : 195 ] ، ولا بمعانيه فإنّ كثيرا منها موجود في الكتب المتقدّمة ، قال تعالى :
هامش
( 1 ) انظر البرهان 2 / 92 .