تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات ، ولهم القصيد العجيب ، والرجز الفاخر ، والخطب الطوال البليغة ، والقصار الموجزة ، ولهم الأسجاع والمزدوج ، واللفظ المنثور . ثمّ يتحدّى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم ، فمحال - أكرمك اللّه - أن يجتمع هؤلاء كلّهم على الغلط في الأمر الظاهر ، والخطأ المكشوف البين ، مع التقريع بالنقص ، والتوقيف على العجز ، وهم أشدّ الخلق أنفة ، وأكثرهم مفاخرة ، والكلام سيّد عملهم ، وقد احتاجوا إليه ، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض ، فكيف بالظاهر ! وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثا وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة ، فكذلك محال أن يتركوه ، وهم يعرفونه ، ويجدون السبيل إليه وهم يبذلون أكثر منه ! انتهى .

فصل « 1 » [ وجوه إعجاز القرآن ]

لمّا ثبت كون القرآن معجزة نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم وجب الاهتمام بمعرفة وجه الإعجاز ، وقد خاض الناس في ذلك كثيرا ، فبين محسن ومسيء . فزعم قوم : أنّ التّحدّي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات ، وأنّ العرب كلّفت في ذلك ما لا يطاق ، وبه وقع عجزها . وهو مردود ، لأن ما لا يمكن الوقوف عليه لا يتصوّر التحدي به . والصواب ما قاله الجمهور : أنّه وقع بالدّالّ على القديم وهو الألفاظ « 2 » . ثم زعم النظّام أنّ إعجازه بالصّرفة « 3 » ، أي : أنّ اللّه صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم ، وكان مقدورا لهم ، لكن عاقهم أمر خارجيّ ، فصار كسائر المعجزات . وهذا قول فاسد ، بدليل :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ
[ الإسراء : 88 ] الآية ، فإنه يدلّ على عجزهم مع بقاء قدرتهم ، ولو سلبوا القدرة لم يبق لهم فائدة لاجتماعهم ، لمنزلته منزلة اجتماع الموتى ، وليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره ، هذا مع أنّ الإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن ، فكيف يكون معجزا وليس فيه صفة إعجاز ! بل
هامش
( 1 ) انظر البرهان 2 / 93 . ( 2 ) القرآن الكريم هو كلام اللّه تعالى . لا حكاية ولا دلالة ولا غير ذلك من الأقوال . وقد سبق نقل كلام الإمام الطبري في هذا . ( 3 ) انظر إثبات نبوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ص 50 - 57 ، والجواب الصحيح 4 / 75 - 77 ، والبرهان 1 / 93 - 94 ، والمناهل 2 / 310 - 316 ، وتفسير الماوردي 1 / 33 .