وأخذ المالكيّة تلوّم القاضي للخصوم ثلاثة أيام بعد انقضاء الآجال من قوله تعالى في قصّة صالح :
فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ
[ هود : 65 ] .
وأخذوا وجوب الإعذار إلى الخصم الّذي توجّه إليه الحكم ب « أبقيت لك حجّة ؟ » ، ونحو ذلك من قوله تعالى في قصة سليمان مع الهدهد :
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
( 21 ) [ النمل : 21 ] ، وأخذ الحنابلة جواز طول مدة الإجارة من قوله تعالى في قصّة موسى ، وصهره شعيب أو غيره :
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ
[ القصص : 27 ] الآية ، وأمثال هذا كثيرة جدّا ، وقوله تعالى :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
[ المائدة :
48 ] ، لا يخالف ما ذكرنا ، لأن المراد به أنّ بعض الشرائع تنسخ فيها أحكام كانت مشروعة قبل ذلك ، ويجدّد فيها تشريع أحكام لم تكن مشروعة قبل ذلك .
وبهذا الاعتبار يكون لكل شرعة منهاج من غير مخالفة لما ذكرنا ، وهذا ظاهر ، فبهذا يتّضح لك الجواب عن السّؤال الأول ، وتعلم أن ما تضمّنته آية
وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
[ المائدة : 45 ] ، الآية مشروع لهذه الأمّة ، وأنّ الرجل يقتل بالمرأة كالعكس على التحقيق الذي لا شك فيه ، وكأنّ القائل بعدم القصاص بينهما يتشّبث بمفهوم قوله :
وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى
[ البقرة : 178 ] ، وسترى تحقيق المقام فيه إن شاء اللّه قريبا .
والجواب عن السؤال الثاني - الذي هو لم لا يخصّص عموم النفس بالنفس بالتفصيل المذكور في قوله تعالى :
الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى
[ البقرة : 178 ] ؟ - هو ما تقرّر في الأصول من أن مفهوم المخالفة إذا كان محتملا لمعنى آخر غير مخالفته لحكم المنطوق يمنعه ذلك من الاعتبار .
قال صاحب [ جمع الجوامع ] في الكلام على مفهوم المخالفة : وشرطه ألا يكون المسكوت ترك لخوف ونحوه ، إلى أن قال : أو غيره ممّا يقتضي التخصيص بالذّكر ، فإذا علمت ذلك ، فاعلم أن قوله تعالى :
بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ
يدلّ على قتل الحرّ بالحرّ ، والعبد بالعبد ، والأنثى بالأنثى ، ولم يتعرّض لقتل الأنثى بالذكر ، أو العبد بالحرّ ، ولا لعكسه بالمنطوق .
ومفهوم مخالفته هنا غير معتبر ؛ لأنّ سبب نزول الآية ، أن قبيلتين من العرب اقتتلتا ، فقالت إحداهما : نقتل بعبدنا فلان ابن فلان ، وبأمتنا فلانة بنت فلان تطاولا منهم عليهم ، وزعما أن العبد منهم بمنزلة الحر من أولئك ، وأنّ أنثاهم أيضا بمنزلة الرجل من الآخرين تطاولا عليهم ، وإظهارا لشرفهم عليهم ، ذكر معنى هذا القرطبي ، عن الشعبيّ ، وقتادة .
وروى ابن أبي حاتم نحوه عن سعيد بن جبير ، نقله عنه ابن كثير في تفسيره ،