أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
[ الأحزاب : 21 ] ، الآية إلى غيرها مما تقدّم من الآيات ، وقد علمنا ذلك من استقراء القرآن العظيم حيث يعبر فيه دائما بالصيغة الخاصة به صلى اللّه عليه وسلم ، ثمّ يشير إلى أنّ المراد عموم حكم الخطاب للأمّة ، كقوله في أوّل سورة الطّلاق :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ
[ الطلاق : 1 ] ، ثمّ قال :
إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ
[ الطلاق : 1 ] الآية ، فدلّ على دخول الكلّ حكما تحت قوله :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ
، وقال في سورة التحريم :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ
[ التحريم : 1 ] ، ثم قال :
قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ
[ التحريم : 2 ] ، فدلّ على عموم حكم الخطاب بقوله :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ
، ونظير ذلك أيضا في سورة الأحزاب في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ
[ الأحزاب : 1 ] ، ثمّ قال :
إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
( 2 ) [ الأحزاب : 2 ] ، فقوله
بِما تَعْمَلُونَ
يدلّ على عموم الخطاب بقوله :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ
، وكقوله
وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ
[ يونس : 61 ] ، ثم قال :
وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً
[ يونس : 61 ] ، الآية .
ومن أصرح الأدلّة في ذلك آية الرّوم ، وآية الأحزاب ، أما آية الرّوم فقوله تعالى :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً
[ الروم : 30 ] ، ثمّ قال :
* مُنِيبِينَ إِلَيْهِ
[ الروم : 31 ] ، وهو حال من ضمير الفاعل المستتر ، المخاطب به النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في قوله :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ
، الآية .
وتقرير المعنى : فأقم وجهك يا نبيّ اللّه ، في حال كونكم منيبين ، فلو لم تدخل الأمة حكما في الخطاب الخاصّ به صلى اللّه عليه وسلم لقال : منيبا إليه ، بالإفراد ، لإجماع أهل اللّسان العربيّ على أن الحال الحقيقية أعني الّتي لم تكن سببية تلزم مطابقتها لصاحبها إفرادا وجمعا وثنية ، وتأنيثا وتذكيرا ، فلا يجوز أن تقول : جاء زيد ضاحكين ، ولا جاءت هند ضاحكات ، وأما آية الأحزاب ، فقوله تعالى في قصة زينب بنت جحش الأسدية رضي اللّه عنها :
فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها
[ الأحزاب : 37 ] ، فإنّ هذا الخطاب خاصّ بالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم .
وقد صرّح تعالى بشمول حكمته لجميع المؤمنين في قوله :
لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ
[ الأحزاب : 37 ] ، الآية ، وأشار إلى هذا أيضا في الأحزاب بقوله :
خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
[ الأحزاب : 50 ] ، لأّن الخطاب الخاصّ به صلى اللّه عليه وسلم في قوله :
وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ
[ الأحزاب : 50 ] ، الآية ، لو كان حكمه خاصا به صلى اللّه عليه وسلم لأغنى ذلك عن قوله :
لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ
، كما هو ظاهر .
وقد ردّت عائشة رضي اللّه عنها على من زعم أن تخيير الزوجة طلاق ، بأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خيّر نساءه فاخترنه ، فلم يعدّه طلاقا مع أنّ الخطاب في ذلك خاصّ به صلى اللّه عليه وسلم ، في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ
[ الأحزاب : 28 ] ، الآيتين .
وأخذ مالك رحمه اللّه بينونة الزوجة بالردة من قوله :
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
[ الزمر : 65 ] ، وهو خطاب خاصّ به صلى اللّه عليه وسلم .