ففي قوله :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
توبيخ لمن مرّ بديارهم ، ولم يعتبر بما وقع لهم ، ويعقل ذلك ليجتنب الوقوع في مثله ، وكقوله تعالى :
* أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
[ محمد : 10 ] ، ثم هدّد الكفّار بمثل ذلك ، فقال :
وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها
( 10 ) [ محمد : 10 ] .
وقال في حجارة قوم لوط التي أهلكوا بها ، أو ديارهم التي أهلكوا فيها :
وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ
( 83 ) [ هود : 83 ] ، وهو تهديد عظيم منه تعالى لمن لم يعتبر بحالهم ، فيجتنب ارتكاب ما هلكوا بسببه ، وأمثال ذلك كثير في القرآن .
وقال تعالى :
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ
[ يوسف : 111 ] فصرّح بأنّه يقص قصصهم في القرآن للعبرة ، وهو دليل واضح لما ذكرنا ، ولما ذكر اللّه تعالى من ذكر من الأنبياء في سورة الأنعام ، قال لنبيّنا صلى اللّه عليه وسلم :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
[ الأنعام : 90 ] ، وأمره صلى اللّه عليه وسلم أمر لنا ، لأنه قدوتنا ، ولأن اللّه تعالى يقول :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
[ الأحزاب : 21 ] الآية ، ويقول :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
[ آل عمران : 31 ] الآية ، ويقول :
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
[ الحشر : 7 ] الآية .
ويقول :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
[ النساء : 80 ] ، ومن طاعته اتّباعه فيما أمر به كلّه ، إلّا ما قام فيه دليل على الخصوص به صلى اللّه عليه وسلم ، وكون شرع من قبلنا الثابت بشرعنا شرعا لنا ، إلا بدليل على النسخ هو مذهب الجمهور ، منهم مالك ، وأبو حنيفة ، وأحمد في أشهر الروايتين ، وخالف الإمام الشافعيّ رحمه اللّه في أصحّ الروايات عنه ، فقال : إنّ شرع من قبلنا الثابت بشرعنا ليس شرعا لنا إلا بنصّ من شرعنا على أنّه مشروع لنا ، وخالف أيضا في الصحيح عنه في أن الخطاب الخاص بالرسول صلى اللّه عليه وسلم يشمل حكمه الأمة ؛ واستدلّ للأول بقوله تعالى :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
[ المائدة : 48 ] وللثاني : بأنّ الصيغة الخاصة بالرسول لا تشمل الأمّة وضعا ، فإدخالها فيها صرف للّفظ عن ظاهره ، فيحتاج إلى دليل منفصل ، وحمل الهدى في قوله :
فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
[ الأنعام : 90 ] ، والدّين في قوله :
* شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ
[ الشورى : 13 ] الآية على خصوص الأصول الّتي هي التّوحيد دون الفروع العمليّة ، لأنّه تعالى قال في العقائد :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ
( 25 ) [ يوسف : 25 ] ، وقال :
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
[ النحل : 36 ] ، وقال :
وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ
( 45 ) [ الزخرف : 45 ] .
وقال في الفروع العملية :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
، فدل ذلك على اتفاقهم في الأصول ، واختلافهم في الفروع ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « إنّا معشر الأنبياء إخوة لعلّات