واحتج أهل هذا القول أيضا . بأن الأرض المغنومة لو كانت تقسم ، لم يبق لمن جاء بعد الغانمين شيء ، واللّه أثبت لمن جاء بعدهم شركة بقوله :
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا
[ الحشر : 10 ] الآية ، فإنه معطوف على قوله :
لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا
[ الحشر : 8 ] وقوله :
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ
[ الحشر : 9 ] الآية ، وقول من قال . إن قوله تعالى :
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ
[ الحشر : 10 ] مبتدأ خبره
يَقُولُونَ
[ الحشر : 10 ] غير صحيح . لأنه يقتضي أنه تعالى . أخبر بأن كل من يأتي بعدهم يقول :
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا
[ الحشر : 10 ] الآية .
والواقع خلافه ، لأن كثيرا ممن جاء بعدهم يسبون الصحابة ويلعنونهم ، والحق أن قوله :
وَالَّذِينَ جاؤُ
معطوف على ما قبله ، وجملة
يَقُولُونَ
حال كما تقدم في « آل عمران » ، وهي قيد لعاملها وصف لصاحبها .
قال مقيده - عفا اللّه عنه - : هذه الأدلة التي استدل بها المالكية ، لا تنهض فيما يظهر ، لأن الأحاديث المذكورة لا يتعين وجه الدلالة فيها ، لأنه يحتمل أن يكون الإمام مخيرا ، فاختار إبقاءها للمسلمين ، ولم يكن واجبا في أول الأمر ، كما قدمنا .
والاستدلال بآية الحشر المذكورة ، واضح السقوط ، لأنها في الفيء ، والكلام في الغنيمة ، والفرق بينهما معلوم كما قدمنا .
قال مقيده : - عفا اللّه عنه - أظهر الأقوال دليلا أن الإمام مخير ، ويدل عليه كلام عمر في الأثر المار آنفا ، وبه تنتظم الأدلة ، ولم يكن بينها تعارض ، والجمع واجب متى ما أمكن .
وغاية ما في الباب : أن تكون السنة دلت على تخصيص واقع في عموم قوله تعالى :
* وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنفال : 41 ] الآية .
وتخصيص الكتاب بالسنة كثير .
قال القرطبي في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ، بعد أن ذكر القول بالتخيير : ما نصه : قال شيخنا أبو العباس رضي اللّه عنه : وكأن هذا جمع بين الدليلين ، ووسط بين المذهبين ، وهو الذي فهمه عمر رضي اللّه عنه قطعا .
ولذلك قال : « لولا آخر الناس » فلم يخبر بنسخ فعل النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ ولا بتخصيصه بهم .
فإن قيل : لا تعارض بين الأدلة على مذهب الشافعي : لأن ما وقع فيه القسم من خيبر مأخوذ عنوة ، وما لم يقسم منها مأخوذ صلحا ، والنضير فيء ، وقريظة قسمت .
ولو قال قائل : إنها فيء أيضا ؛ لنزولهم على حكم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قبل أن يحكم فيهم