لأن قوله هنا :
وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ
يعني : علما وهدى تفرقون به بين الحق والباطل ، ويدل على أن المراد بالنور هنا الهدى ، ومعرفة الحق قوله تعالى فيمن كان كافرا فهداه اللّه :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
[ الأنعام : 122 ] الآية . فجعل النور المذكور في الحديد ، هو معنى الفرقان المذكور في الأنفال كما ترى .
وتكفير السيئات والغفران المرتب على تقوى اللّه في آية الأنفال ، كذلك جاء مرتبا أيضا عليها في آية الحديد ، وهو بيان واضح كما ترى .
قوله تعالى :
قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا
[ 31 ] الآية .
قد بينا قبل هذا الآيات المصرحة بكذبهم ، وتعجيز اللّه لهم عن الإتيان بمثله . فلا حاجة إلى إعادتها هنا ، وقوله هنا في هذه الآية عنهم :
إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
( 31 ) رد اللّه عليهم كذبهم وافتراءهم هذا في آيات كثيرة كقوله تعالى :
وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( 5 ) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
( 6 ) [ الفرقان : 5 - 6 ] وما أنزله عالم السر في السماوات والأرض فهو بعيد جدا من أن يكون أساطير الأولين ، وكقوله :
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
( 103 ) [ النحل : 103 ] إلى غير ذلك من الآيات :
قوله تعالى :
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 32 )
[ 32 ] .
ذكر هنا في هذه الآية الكريمة ما يدل على أن كفار مكة في غاية الجهل حيث قالوا :
فَأَمْطِرْ عَلَيْنا
الآية ، ولم يقولوا فاهدنا إليه ، وجاء في آيات أخر ما يدل على ذلك أيضا كقوله عنهم :
وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ
( 16 ) [ ص : 16 ] ، وقوله :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ
[ الحج : 47 ] الآية ، وقوله :
وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ
[ هود : 8 ] وذكر عن بعض الأمم السالفة شبه ذلك كقوله في قوم شعيب :
فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
( 187 ) [ الشعراء : 187 ] ، وقوله عن قوم صالح :
يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
( 77 ) [ الأعراف : 77 ] ، وسيأتي لهذا إن شاء اللّه زيادة إيضاح في سورة « سأل سائل » .
قوله تعالى :
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ
[ 34 ] .
صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بنفي ولاية الكفار على المسجد الحرام ، وأثبتها لخصوص المتقين ، وأوضح هذا المعنى في قوله :
ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ