تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
قلبه مثقال حبة من إيمان » « 1 » ونحو ذلك . قوله تعالى :
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ
[ 11 ] . ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه ألقى النعاس على المؤمنين ليجعل قلوبهم آمنة غير خائفة من عدوها ، لأن الخائف الفزع لا يغشاه النعاس ، وظاهر سياق هذه الآية أن هذا النعاس ألقي عليهم يوم بدر ، لأن الكلام هنا في وقعة بدر ، كما لا يخفى . وذكر في سورة آل عمران أن النعاس غشيهم أيضا يوم أحد ، وذلك في قوله تعالى في وقعة أحد :
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً
[ آل عمران : 154 ] الآية . قوله تعالى :
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ
[ 19 ] . المراد بالفتح هنا في هذه الآية عند جمهور العلماء ، الحكم وذلك أن قريشا لما أرادوا الخروج إلى غزوة بدر تعلقوا بأستار الكعبة ، وزعموا أنهم قطان بيت اللّه الحرام ، وأنهم يسقون الحجيج ، ونحو ذلك ، وأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم فرق الجماعة ، وقطع الرحم ، وسفه الآباء ، وعاب الدين ، ثم سألوا اللّه أن يحكم بينهم ، وبين النبي صلى اللّه عليه وسلم ، بأن يهلك الظالم منهم ، وينصر المحق ، فحكم اللّه بذلك وأهلكهم ، ونصره ، وأنزل الآية ، ويدل على أن المراد بالفتح هنا الحكم . أنه تعالى أتبعه مما يدل على أن الخطاب لكفار مكة ، وهو قوله :
وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ
، وبين ذلك إطلاق الفتح بمعنى الحكم في القرآن في قوله عن شعيب وقومه :
عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ
( 89 ) [ الأعراف : 89 ] أي احكم بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الحاكمين ، ويدل لذلك قوله تعالى : عن شعيب في نفس القصة
وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ
( 87 ) [ الأعراف : 87 ] ، وهذه لغة حمير لأنهم يسمون القاضي فتاحا والحكومة فتاحة ، ومنه قول الشاعر :
ألا أبلغ بني عمرو رسولا * بأني عن فتاحتكم غني
أي عن حكومتكم وقضائكم ، أما ما ذكره بعض أهل العلم من أن الخطاب في قوله :
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا
للمؤمنين . أي تطلبوا الفتح والنصر من اللّه ، وأن الخطاب في قوله بعده :
وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
للكافرين . فهو غير ظاهر ، كما ترى . قوله تعالى :
وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 28 )
[ 28 ] .
هامش
( 1 ) أخرجه عن أبي سعيد الخدري : البخاري في الرقاق حديث 6560 ، ومسلم في الإيمان حديث 304 .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 259 | الشنقيطي