6 ] وقوله :
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
( 3 ) [ الشعراء : 3 ] .
ويؤيد الوجه الأخير في الآية أن الحرج في لغة العرب : الضيق . وذلك معروف في كلامهم ، ومنه قوله تعالى :
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ
[ النور : 61 ] ، وقوله :
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
[ الحج : 78 ] ، وقوله :
يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً
[ الأنعام : 125 ] أي شديد الضيق إلى غير ذلك من الآيات ، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة ، أو جميل :
فخرجت خوف يمينها فتبسمت * فعلمت أن يمينها لم تحرج
وقول العرجي :
عوجي علينا ربة الهودج * إنك إلا تفعلي تحرجي
والمراد بالإحراج في البيتين : الإدخال في الحرج . بمعنى الضيق كما ذكرنا .
قوله تعالى :
لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ
[ 2 ] .
لم يبين هنا المفعول به لقوله لتنذر ، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله :
وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا
( 97 ) [ مريم : 97 ] ، وقوله :
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ
[ يس : 6 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . كما أنه بين المفعول الثاني للإنذار في آيات أخر ، كقوله
لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ
[ الكهف : 2 ] الآية ، وقوله :
فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى
( 14 ) [ الليل : 14 ] ، وقوله :
إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً
[ النبأ : 40 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات .
وقد جمع تعالى في هذه الآية الكريمة بين الإنذار والذكرى في قوله :
لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ
( 2 ) فالإنذار للكفار ، والذكرى للمؤمنين ، ويدل لذلك قوله تعالى :
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا
( 97 ) [ مريم : 97 ] ، وقوله :
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
( 55 ) [ الذاريات : 55 ] ، وقوله :
فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ
( 45 ) [ ق : 45 ] .
ولا ينافي ما ذكرنا من أن الإنذار للكفار ، والذكرى للمؤمنين . أنه قصر الإنذار على المؤمنين دون غيرهم في قوله تعالى :
إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ
( 11 ) [ يس : 11 ] . لأنه لما كان الانتفاع بالإنذار مقصورا عليهم ، صار الإنذار كأنه مقصور عليهم ، لأن ما نفع فيه فهو كالعدم .
ومن أساليب اللغة العربية : التعبير عن قليل النفع بأنه لا شيء .
وحاصل تحرير المقام في هذا المبحث : أن الإنذار يطلق في القرآن إطلاقين .
أحدهما : عام لجميع الناس كقوله :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ
( 2 ) [ المدثر : 1 - 2 ] ، وقوله :
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً
( 1 ) [ الفرقان : 1 ] .