آخَرِينَ ( 11 ) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ ( 12 ) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ ( 13 ) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 14 ) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ
( 15 ) [ الأنبياء : 11 - 15 ] .
قال ابن جرير « 1 » - رحمه اللّه - في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم » حدثنا بذلك ابن حميد .
حدثنا جرير عن أبي سنان عن عبد الملك بن ميسرة الزراد قال : قال عبد اللّه بن مسعود : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم » قال : قلت لعبد اللّه كيف يكون ذلك ؟
قال : فقرأ هذه الآية
فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ
( 5 ) [ 5 ] .
قوله تعالى :
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ( 6 )
[ 6 ] .
لم يبين هنا الشيء المسؤول عنه المرسلون ، ولا الشيء المسؤول عنه الذين أرسل إليهم .
وبين في مواضع أخر أنه يسأل المرسلين عما أجابتهم به أممهم ، ويسأل الأمم عما أجابوا به رسلهم .
قال في الأول :
* يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ
[ المائدة : 109 ] .
وقال في الثاني :
وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ
( 65 ) [ القصص : 65 ] .
وبين في موضع آخر أنه يسأل جميع الخلق عما كانوا يعملون ، وهو قوله تعالى :
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
( 93 ) [ الحجر : 92 - 93 ] .
وهنا إشكال معروف : وهو أنه تعالى قال هنا :
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ
( 6 ) ، وقال أيضا :
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
( 93 ) ، وقال :
وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ
( 24 ) [ الصافات : 24 ] ، وهذا صريح في إثبات سؤال الجميع يوم القيامة ، مع أنه قال :
وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ
( 78 ) [ القصص : 78 ] ، وقال :
فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ
( 39 ) [ الرحمن : 39 ] .
وقد بينا وجه الجمع بين الآيات المذكورة في كتابنا [ دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ] وسنزيده إيضاحا هنا إن شاء اللّه تعالى .
اعلم أولا : أن السؤال المنفي في الآيات المذكورة . أخص من السؤال المثبت فيها ؛ لأن السؤال المنفي فيها مقيد بكونه سؤالا عن ذنوب خاصة . فإنه قال :
وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ
( 78 ) فخصه بكونه عن الذنوب ، وقال :
فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ
( 39 )
هامش
( 1 ) جامع البيان 8 / 89 .