ولا شك في أنهما أقوى من حديث خالد ، وبهذا كله تعلم أن الذي يقتضي الدليل الصريح رجحانه إباحة أكل لحم الخيل ، والعلم عند اللّه تعالى ، ولا يخفى أن الخروج من الخلاف أحوط ، كما قال بعض أهل العلم .
وإن الأورع الذي يخرج من * خلافهم ولو ضعيفا فاستبن
ومن ذلك الكلب : فإن أكله حرام عند عامة العلماء ، وعن مالك قول ضعيف جدا بالكراهة .
ولتحريمه أدلة كثيرة ، منها : ما تقدم في ذي الناب من السباع ؛ لأن الكلب سبع ذو ناب ، ومنها أنه لو جاز أكله لجاز بيعه ، وقد ثبت النهي عن ثمنه في الصحيحين من حديث أبي مسعود الأنصاري « 1 » ، مقرونا بحلوان الكاهن ، ومهر البغي ، وأخرجه البخاري من حديث أبي جحيفة « 2 » ، وأخرجه مسلم من حديث رافع بن خديج ، رضي اللّه عنه ، بلفظ « ثمن الكلب خبيث » « 3 » الحديث . وذلك نص في التحريم لقوله تعالى :
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ
[ الأعراف : 157 ] الآية .
فإن قيل : ما كل خبيث يحرم لما ورد في الثوم أنه خبيث ، وفي كسب الحجام أنه خبيث . مع أنه لم يحرم واحد منهما .
فالجواب : أن ما ثبت بنص أنه خبيث كان ذلك دليلا على تحريمه ، وما أخرجه دليل يخرج ، ويبقى النص حجة فيما لم يقم دليل على إخراجه ، كما هو الحكم في جل عمومات الكتاب ، والسنة يخرج منها بعض الأفراد بمخصص ، وتبقى حجة في الباقي . وهذا مذهب الجمهور ، وإليه أشار في [ مراقي السعود ] بقوله :
وهو حجة لدى الأكثر إن * مخصص له معينا يبن
فإن قيل : تحريم الخبائث لعلة الخبث ، وإذا وجد خبيث غير محرم كان ذلك نقضا في العلة لا تخصيصا لها .
فالجواب : أن أكثر العلماء على أن النقض تخصيص للعلة ، لا إبطال لها . قال في [ مراقي السعود ] :
منها وجود الوصف دون الحكم * سماه بالنقض وعاة العلم
والأكثرون عندهم لا يقدح * بل هو تخصيص وذا مصحح
هامش
( 1 ) أخرجه عن أبي مسعود الأنصاري : البخاري في البيوع حديث 2237 ، ومسلم في المساقاة حديث 39 .
( 2 ) أخرجه عن عون بن أبي جحيفة البخاري في البيوع حديث 2238 .
( 3 ) كتاب المساقاة حديث 41 .