وأما الحديث : فهو ما رواه الإمام أحمد « 1 » وأبو داود « 2 » ، والنسائي « 3 » وابن ماجة « 4 » ، عن خالد بن الوليد رضي اللّه عنه قال : « نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير » .
ورد الجمهور الاستدلال بالآية الكريمة . بأن الآية النحل نزلت في مكة اتفاقا ، والإذن في أكل الخيل يوم خيبر كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين ، فلو فهم النبي صلى اللّه عليه وسلم المنع من الآية لما أذن في الأكل ، وأيضا آية النحل ليست صريحة في منع أكل الخيل ، بل فهم من التعليل ، وحديث جابر « 5 » ، وحديث أسماء بنت أبي بكر « 6 » المتفق عليهما ؛ كلاهما صريح في جواز أكل الخيل . والمنطوق مقدم على المفهوم كما تقرر في الأصول .
وأيضا فالآية على تسليم صحة دلالتها المذكورة ، فهي إنما تدل على ترك الأكل ، والترك أعم من أن يكون للتحريم أو للتنزيه ، أو خلاف الأولى ، وإذا لم يتعين واحد منهما بقي التمسك بالأدلة المصرحة بالجواز .
وأيضا فلو سلمنا أن اللام للتعليل ، لم نسلم إفادة الحصر في الركوب والزينة . فإنه ينتفع بالخيل في غيرهما ، وفي غير الأكل اتفاقا ، وإنما ذكر الركوب والزينة لكونهما أغلب ما تطلب له الخيل .
ونظيره حديث البقرة المذكورة في الصحيحين حين خاطبت راكبها فقالت : « إنّا لم نخلق لهذا . إنّا خلقنا للحرث » « 7 » فإنه مع كونه أصرح في الحصر لم يقصد به إلا الأغلب ، وإلا فهي تؤكل وينتفع بها في أشياء غير الحرث اتفاقا .
وأيضا فلو سلم الاستدلال المذكور للزم منع حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير للحصر المزعوم في الركوب والزينة ؛ ولا قائل بذلك .
وأما الاستدلال بعطف الحمير والبغال عليها ؛ فهو استدلال بدلالة الاقتران ، وقد ضعفها أكثر العلماء من أهل الأصول . كما أشار له في [ مراقي السعود ] بقوله :
هامش
( 1 ) المسند 4 / 89 .
( 2 ) كتاب الأطعمة حديث 3805 .
( 3 ) كتاب الصيد والذبائح ، باب تحريم أكل لحوم الخيل .
( 4 ) كتاب الذبائح حديث 3198 .
( 5 ) سبق تخريجه .
( 6 ) أخرجه عن أسماء بنت أبي بكر : البخاري في الذبائح والصيد حديث 5510 و 5511 و 5512 ، ومسلم في الصيد والذبائح حديث 38 .
( 7 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في الأنبياء حديث 3471 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 13 .