تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
بسم اللّه الرحمن الرحيم

سورة الأنعام

قوله تعالى :
ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
[ 1 ] . في قوله تعالى
يَعْدِلُونَ
وجهان للعلماء : أحدهما : أنه من العدول عن الشيء بمعنى الانحراف ، والميل عنه ، وعلى هذا فقوله
بِرَبِّهِمْ
متعلق بقوله
كَفَرُوا
، وعليه فالمعنى : إن الذين كفروا بربهم يميلون وينحرفون عن طريق الحق إلى الكفر والضلال ، وقيل على هذا الوجه : إن « الباء » بمعنى « عن » أي يعدلون عن ربهم ، فلا يتوجهون إليه بطاعة ، ولا إيمان . والثاني : أن « الباء » متعلقة بيعدلون ، ومعنى يعدلون يجعلون له نظيرا في العبادة من قول العرب : عدلت فلانا بفلان إذا جعلته له نظيرا وعديلا ، ومنه قول جرير :
أثعلبة الفوارس أم رياحا * عدلت بهم طهية والخشابا
يعني أجعلت طهية والخشاب نظراء وأمثالا لبني ثعلبة ، وبني رياح ، وهذا الوجه الأخير يدل له القرآن ، كقوله تعالى عن الكفار الذين عدلوا به غيره :
تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 97 ) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ
[ الشعراء : 97 - 98 ] ، وقوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ
[ البقرة : 165 ] ، وأشار تعالى في آيات كثيرة إلى أن الكفار ساووا بين المخلوق والخالق - قبحهم اللّه تعالى - كقوله :
أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
[ الرعد : 16 ] ، وقوله :
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
[ النحل : 17 ] ، وقوله :
ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ
[ الروم : 28 ] ، الآية إلى غير ذلك من الآيات ، وعدل الشيء في اللغة مثله ، ونظيره ، قال بعض علماء العربية : إذا كان من جنسه ، فهو عدل - بكسر العين - وإذا كان من غير جنسه ، فهو عدل - بفتح العين - ومن الأول قول مهلهل :
على أن ليس عدلا من كليب * إذا برزت مخبأة الخدور
على أن ليس عدلا من كليب * إذا اضطرب العضاه من الدبور
على أن ليس عدلا من كليب * غداة بلابل الأمر الكبير
يعني أن القتلى الذين قتلهم من بكر بن وائل بأخيه كليب الذي قتله جساس بن مرة
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 138 | الشنقيطي