لإجماع المسلمين على ارتكاب أخف الضررين ؛ قال في مراقي السعود :
وارتكب لأخف من ضرين * وخيرن لدى استوا هذين
ويشترط في وجوبه مظنة النفع به ، فإن جزم بعدم الفائدة فيه لم يجب عليه ، كما يدل له ظاهر قوله تعالى :
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى
( 9 ) [ الأعلى : 9 ] ، وقوله صلى اللّه عليه وسلم « بل ائتمروا بالمعروف ، وتناهوا عن المنكر إذا رأيت شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ، ودع عنك أمر العوام ، فإن من ورائكم أياما ، الصابر فيهن كالقابض على الجمر ، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم » ، وفي لفظ « قيل : يا رسول اللّه أجر خمسين رجلا منا ، أو منهم قال : بل أجر خمسين منكم » ، أخرجه الترمذي « 1 » ، والحاكم « 2 » وصححاه ، وأبو داود « 3 » وابن ماجة « 4 » وابن جرير « 5 » ، والبغوي في معجمه ، وابن أبي حاتم ، والطبراني وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب من حديث ثعلبة الخشني رضي اللّه عنه ، وقال الراوي هذا الحديث عنه أبو أمية الشعباني ، وقد سأله عن قوله تعالى :
عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ :
واللّه لقد سألت عنها خبيرا ، سألت عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « بل ائتمر » إلى آخر الحديث .
وهذه الصفات المذكورة في الحديث من الشح المطاع والهوى المتبع الخ مظنة لعدم نفع الأمر بالمعروف . فدل الحديث على أنه إن عدمت فائدته سقط وجوبه .
* * *
تنبيه
الأمر بالمعروف له ثلاث حكم :
الأولى : إقامة حجة اللّه على خلقه ، كما قال تعالى :
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
[ النساء : 165 ] .
الثانية : خروج الآمر من عهدة التكليف بالأمر بالمعروف ، كما قال تعالى في صالحي القوم الذين اعتدى بعضهم في السبت ،
قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ
[ الأعراف : 164 ] الآية ، وقال تعالى :
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ
( 54 ) [ الذاريات : 54 ] ، فدل على أنه لو لم يخرج من
هامش
( 1 ) كتاب التفسير حديث 3058 .
( 2 ) المستدرك 4 / 322 .
( 3 ) كتاب الملاحم حديث 4341 .
( 4 ) كتاب الفتن حديث 4014 .
( 5 ) جامع البيان 7 / 63 .