بالمعروف وتنهانا عن المنكر ، فيقول : كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه ، وأنهاكم عن المنكر وآتيه » ، أخرجه الشيخان في صحيحهما من حديث أسامة بن زيد رضي اللّه عنهما .
ومعنى تندلق أقتابه : تتدلى أمعاؤه ، أعاذنا اللّه والمسلمين من كل سوء ، وعن أنس قال : « قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « رأيت ليلة أسرى بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت رجعت فقلت لجبريل : من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء خطباء من أمتك كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون » أخرجه الإمام أحمد ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد والبزاز ، وابن المنذر وابن أبي حاتم ، وأبو نعيم في الحلية ، وابن حيان وابن مردويه والبيهقي ، كما نقله عنهم الشوكاني وغيره ؛ وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما « أنه جاءه رجل فقال له : يا ابن عباس إني أريد أن آمر بالمعروف ، وأنهى عن المنكر ، فقال ابن عباس : أو بلغت ذلك ؟ فقال أرجو ، قال : فإن لم تخش أن تفتضح بثلاثة أحرف في كتاب اللّه فافعل ، قال : وما هي ؟ قال قوله تعالى :
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ
الآية ، وقوله تعالى :
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ ، أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
، وقوله تعالى عن العبد الصالح شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام
وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ
[ هود :
88 ] الآية ، أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ، وابن مردويه ، وابن عساكر ، كما نقله عنهم أيضا الشوكاني وغيره .
واعلم أن التحقيق أن هذا الوعيد الشديد الذي ذكرنا من اندلاق الأمعاء في النار ، وقرض الشفاه بمقاريض النار ، ليس على الأمر بالمعروف . وإنما هو على ارتكابه المنكر عالما بذلك ، ينصح الناس عنه ، فالحق أن الأمر بالمعروف غير ساقط عن صالح ، ولا طالح ، والوعيد على المعصية ، لا على الأمر بالمعروف ، لأنه في حد ذاته ليس فيه إلا الخير ، ولقد أجاد من قال :
لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم
وقال الآخر :
وغير تقي يأمر الناس بالتقى * طبيب يداوي الناس وهو مريض
وقال الآخر :
فإنك إذ ما تأت ما أنت آمر * به تلف من إياه تأمر آتيا
وأما الآية الدالة على أن المعرض عن التذكير كالحمار أيضا ، فهي قوله تعالى
فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ( 49 ) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ( 50 ) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ
( 51 ) [ المدثر : 49 - 51 ] والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب ، فيجب على المذكر - بالكسر - والمذكر - بالفتح - أن يعملا بمقتضى التذكرة ، وأن يتحفظا من عدم المبالاة بها ، لئلا يكونا حمارين من حمر جهنم .