تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
[ سورة الحديد ( 57 ) : آية 11 ] مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ( 11 )
شرح
الإنفاق المأمور به بعد توبيخهم على ترك الإيمان بإنكار أن يكون لهم في ذلك أيضا عذر من الأعذار وحذف المفعول لظهور أنه الذي بين حاله فيما سبق وتعيين المنفق فيه لتشديد التوبيخ أي وأي شئ لكم في أن لا تنفقوا فيما هو قربة إلى اللّه تعالى ما هو في الحقيقة وإنما أنتم خلفاؤه في صرفه إلى ما عينه * من المصارف وقوله تعالى( وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )حال من فاعل لا تنفقوا ومفعوله مؤكدة للتوبيخ فإن ترك الإنفاق بغير سبب قبيح منكر ومع تحقق ما يوجب الإنفاق أشد في القبح وأدخل في الإنكار فإن بيان بقاء جميع ما في السماوات والأرض من الأموال بالآخرة للّه عزّ وجل من غير أن يبقى من أصحابها أحد أقوى في إيجاب الإنفاق عليهم من بيان أنها للّه تعالى في الحقيقة وهم خلفاؤه في التصرف فيها كأنه قيل وما لكم في ترك إنفاقها في سبيل اللّه والحال أنه لا يبقى لكم منها شئ بل * يبقى كلها للّه تعالى وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار لزيادة التقرير وتربية المهابة وقوله تعالى( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ )بيان لتفاوت درجات المنفقين حسب تفاوت أحوالهم في الإنفاق بعد بيان أن لهم أجرا كبيرا على الإطلاق حثا لهم على تحرى الأفضل وعطف القتال على الإنفاق للإيذان بأنه من أهم مواد الإنفاق مع كونه في نفسه من أفضل العبادات وأنه لا يخلو من الإنفاق أصلا * وقسيم من أنفق محذوف لظهوره ودلالة ما بعده عليه وقرئ قبل الفتح بغير من والفتح فتح مكة( أُولئِكَ )إشارة إلى من أنفق والجمع بالنظر إلى معنى من كما أن إفراد الضميرين السابقين بالنظر إلى لفظها وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإشعار ببعد منزلتهم وعلو طبقتهم في الفضل ومحله الرفع * على الابتداء أي أولئك المنعوتون بذينك النعتين الجميلين( أَعْظَمُ دَرَجَةً )وأرفع منزلة( مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا )لأنهم إنما فعلوا ما فعلوا من الإنفاق والقتال قبل عزة الإسلام وقوة أهله عند كمال الحاجة إلى النصرة بالنفس والمال وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين قال فيهم النبي صلى اللّه عليه وسلم لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه وهؤلاء فعلوا * ما فعلوا بعد ظهور الدين ودخول الناس فيه أفواجا وقلة الحاجة إلى الإنفاق والقتال( وَكُلًّا )أي وكل * واحد من الفريقين( وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى )أي المثوبة الحسنى وهي الجنة لا الأولين فقط وقرئ وكل * بالرفع على الابتداء أي وكل وعده اللّه تعالى( وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ )بظواهره وبواطنه فيجازيكم بحسبه وقيل نزلت الآية في أبى بكر رضى اللّه تعالى عنه فإنه أول من آمن وأول من أنفق في سبيل اللّه 11 وخاصم الكفار حتى ضرب ضربا أشرف به على الهلاك وقوله تعالى( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً )ندب بليغ من اللّه تعالى إلى الإنفاق في سبيله بعد الأمر به والتوبيخ على تركه وبيان درجات المنفقين أي من ذا الذي ينفق ماله في سبيله تعالى رجاء أن يعوضه فإنه كمن يقرضه وحسن الإنفاق * بالإخلاص فيه وتحرى أكرم المال وأفضل الجهات( فَيُضاعِفَهُ لَهُ )بالنصب على جواب الاستفهام * باعتبار المعنى كأنه قيل أيقرض اللّه أحد فيضاعفه له أي فيعطيه أجره أضعافا( وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ )أي
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 206 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي