تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
[ سورة النبأ ( 78 ) : الآيات 20 إلى 22 ] وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً ( 20 ) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً ( 21 ) لِلطَّاغِينَ مَآباً ( 22 )
شرح
كقوله تعالىوَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناًكأن كلها عيون متفجرة وهو المراد بقوله تعالىوَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِوهو الغمام الذي ذكر في قوله تعالىهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُأي أمره وبأسه في ظلل من الغمام والملائكة وقيل الأبواب الطرق والمسالك أي تكشط فينفتح مكانها وتصير طرقا لا يسدها شئ 20( وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ )أي في الجو على هيآتها بعد قلعها من مقارها كما يعرب عنه قوله تعالىوَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِأي تراها رأى العين ساكنة في أماكنها والحال أنها تمر مر السحاب الذي يسيره الرياح سيرا حثيثا وذلك أن الأجرام العظام إذا تحركت نحوا من الأنحاء لا تكاد يتبين حركتها وإن كانت في غاية السرعة لا سيما من بعيد وعليه قول من قال[ بار عن مثل الطود تحسب أنهم * وقوف لحاج والركاب تهملج ]وقد أدمج في هذا التشبيه تشبيه حال الجبال بحال السحاب في تخلخل الأجزاء وانتفاشها كما ينطق به قوله تعالىوَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِيبدل اللّه تعالى الأرض ويغير هيأتها ويسير الجبال على تلك الهيئة الهائلة عند حشر الخلائق بعد النفخة الثانية ليشاهدوها ثم * يفرقها في الهواء وذلك قوله تعالى( فَكانَتْ سَراباً )أي فصارت بعد تسييرها مثل السراب كقوله تعالىوَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّاأي غبارا منتشرا وهي وإن اندكت وانصدعت عند النفخة الأولى لكن تسييرها وتسوية الأرض إنما يكونان بعد النفخة الثانية كما نطق به قوله تعالىوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَوقوله تعالىيَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِفإن اتباع الداعي 21 الذي هو إسرافيل عليه السلام وبروز الخلق للّه تعالى لا يكون إلا بعد النفخة الثانية( إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً )شروع في تفصيل أحكام الفصل الذي أضيف إليه اليوم إثر بيان هوله ووجه تقديم بيان حال الكفار غنى عن البيان والمرصاد اسم للمكان الذي يرصد فيه كالمضمار الذي هو اسم للمكان الذي يضمر فيه الخيل والمنهاج اسم للمكان الذي ينهج فيه أي إنها كانت في حكم اللّه تعالى وقضائه موضع 22 رصد يرصد فيه خزنة النار الكفار ليعذبوهم فيها( لِلطَّاغِينَ )متعلق بمضمر هو إما نعت لمرصادا أي * كائنا للطاغين وقوله تعالى( مَآباً )بدل منه أي مرجعا يرجعون إليه لا محالة وإما حال من مآبا قدمت عليه لكونه نكرة ولو تأخرت لكانت صفة له وقد جوز أن يتعلق بنفس مآبا على أنها مرصاد للفريقين مآب للكافرين خاصة ولا يخفى بعده فإن المتبادر من كونها مرصادا لطائفة كونهم معذبين بها وقد قيل إنها مرصاد لأهل الجنة يرصدهم الملائكة الذين يستقبلونهم عندها لأن مجازهم عليها وهي مآب للطاغين