تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
[ سورة الجن ( 72 ) : آية 28 ] لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ( 28 )
شرح
المتعلقة بالكشف فإن اختصاص الغاية القاصية من مراتب الكشف بالرسل لا يستلزم عدم حصول مرتبة ما من تلك المراتب لغيرهم أصلا ولا يدعى أحد لأحد من الأولياء ما في رتبة الرسل عليهم السلام * من الكشف الكامل الحاصل بالوحي الصريح وقوله تعالى( فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً )تقرير وتحقيق للإظهار المستفاد من الاستثناء وبيان لكيفيته أي فإنه يسلك من جميع جوانب الرسول صلى اللّه عليه وسلم عند إظهاره على غيبه حرسا من الملائكة يحرسونه من تعرض الشياطين لما أظهره 28 عليه من الغيوب المتعلقة برسالته وقوله تعالى( لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ )متعلق بيسلك غاية له من حيث أنه مترتب على الإبلاغ المترتب عليه إذ المراد به العلم المتعلق بالإبلاغ الموجود بالفعل وأن مخففة من الثقيلة واسمها الذي هو ضمير الشأن محذوف والجملة خبرها ورسالات ربهم عبارة عن الغيب الذي أريد إظهار المرتضى عليه والجمع باعتبار تعدد أفراده وضمير أبلغوا إما للرصد فالمعنى أنه تعالى يسلكهم من جميع جوانب المرتضى ليعلم أن الشأن قد أبلغوه رسالات ربهم سالمة عن الاختطاف والتخليط علما مستتبعا للجزاء وهو أن يعلمه موجودا حاصلا بالفعل كما في قوله تعالىحَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَوالغاية في الحقيقة هو الإبلاغ والجهاد وإيراد علمه تعالى لإبراز اعتنائه تعالى بأمرهما والإشعار بترتيب الجزاء عليهما والمبالغة في الحث عليهما والتحذير عن التفريط فيهما وأما لمن ارتضى والجمع باعتبار معنى من كما أن الإفراد في الضميرين السابقين باعتبار لفظها فالمعنى ليعلم أنه قد أبلغ الرسل الموحى إليهم رسالات ربهم إلى أممهم كما هي من غير اختطاف ولا تخليط بعد ما أبلغها الرصد إليهم كذلك وقوله * تعالى( وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ )أي بما عند الرصد أو الرسل عليهم السلام حال من فاعل يسلك بإضمار قد أو بدونه على الخلاف المشهور جئ بها لتحقيق استغنائه تعالى في العلم بالإبلاغ عما ذكر من سلك الرصد على الوجه المذكور أي يسلكهم بين يديه ومن خلفه ليترتب عليه علمه تعالى بما ذكر والحال * أنه تعالى قد أحاط بما لديهم من الأحوال جميعا( وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ )مما كان وما سيكون( عَدَداً )أي فردا فردا وهو تمييز منقول من المفعول به كقوله تعالىوَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناًوالأصل أحصى عدد كل شئ وقيل هو حال أي معدودا محصورا أو مصدر بمعنى احصاء وأيا ما كان ففائدته بيان أن علمه تعالى بالأشياء ليس على وجه كلى إجمالى بل على وجه جزئي تفصيلي فإن الإحصاء قد يراد به الإحاطة الإجمالية كما في قوله تعالىوَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهاأي لا تقدروا على حصرها إجمالا فضلا عن التفصيل وذلك لأن أصل الإحصاء أن الحاسب إذا بلغ عقدا معينا من عقود الأعداد كالعشرة والمائة والألف وضع حصاة ليحفظ بها كمية ذلك العقد فيبنى على ذلك حسابه هذا وأماما قيل من أن قوله تعالىوَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْالخ معطوف على مقدر يدل عليه قوله تعالىلِيَعْلَمَكأنه قيل قد علم ذلك وأحاط بما لديهم الخ فبمعزل من السداد . عن النبي صلى اللّه عليه وسلم من قرأ سورة الجن كان له بعدد كل جنى صدق بمحمد أو كذب به عتق رقبة .
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 48 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي