تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 101 إلى 103 ] إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ( 101 ) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ ( 102 ) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 103 )
شرح
للعبدة لعدم الإلباس وكذا في قوله تعالى( وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ )أي لا يسمع بعضهم زفير بعض لشدة الهول وفظاعة العذاب وقيل لا يسمعون ما يسرهم من الكلام( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى )شروع 101 في بيان حال المؤمنين إثر شرح حال الكفرة حسبما جرت به سنة التنزيل من شفع الوعد بالوعد بالوعيد وإيراد الترغيب مع الترهيب أي سبقت لهم منا في التقدير الخصلة الحسنى التي هي أحسن الخصال وهي السعادة وقيل التوفيق للطاعة أو سبقت لهم كلمتنا بالبشرى بالثواب على الطاعة وهو الأدخل الأظهر في الحمل عليها لما أن الأولين مع خفائهما ليسا من مقدورات المكلفين فالجملة مع ما بعدها تفصيل لما أجمل في قوله تعالىفَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَكما أن ما قبلها من قوله تعالىإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَالخ تفصيل لما أجمل في قوله تعالىوَحَرامٌالخ( أُولئِكَ )إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه * بما في حين الصلة وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجتهم وبعد منزلتهم في الشرف والفضل أي أولئك المنعوتون بما ذكر من النعت الجميل( عَنْها )أي عن جهنم( مُبْعَدُونَ )لأنهم في الجنة وشتان بينها وبين * النار وما روى أن عليا رضى اللّه عنه خطب يوما فقرأ هذه الآية ثم قال أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح رضوان اللّه تعالى عنهم أجمعين ثم أقيمت الصلاة فقام يجر رداءه ويقول( لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها )ليس بنص في كون الموصول عبارة عن 102 طائفة مخصوصة والحسيس صوت يحس به أي لا يسمعون صوتها سمعا ضعيفا كما هو المعهود عند كون المصوت بعيدا وإن كان صوته في غاية الشدة لا أنهم لا يسمعون صوتها الخفي في نفسه فقط والجملة بدل من مبعدون أو حال من ضميره مسوقة للمبالغة في إنقاذهم منها وقوله تعالى( وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ )بيان لفوزهم بالمطالب إثر بيان خلاصهم من المهالك والمعاطب أي دائمون في غاية التنعم وتقديم الظرف للقصر والاهتمام به وقوله تعالى( لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ )بيان لنجاتهم من الإفزاع بالكلية بعد 103 بيان نجاتهم من النار لأنهم إذا لم يحزنهم أكبر الأفزاع لا يحزنهم ما عداه بالضرورة عن الحسن رضى اللّه عنه أنه الانصراف إلى النار وعن الضحاك حتى يطبق على النار وقيل حين يذبح الموت في صورة كبش أملح وقيل النفخة الأخيرة لقوله تعالىفَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِوليس بذاك فإن الآمن من ذلك الفزع من استثناه اللّه تعالى بقولهإِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُلا جميع المؤمنين الموصوفين بالأعمال الصالحة على أن الأكثرين على أن ذلك في النفخة الأولى دون الأخيرة كما سيأتي في سورة النمل( وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ )أي تستقبلهم مهنئين لهم( هذا يَوْمُكُمُ )على إرادة القول أي قائلين هذا اليوم يومكم( الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ )في الدنيا وتبشرون بما فيه من فنون المثوبات على الإيمان والطاعات وهذا كما ترى صريح في أن المراد بالذين
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 87 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي