تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 99 إلى 100 ] لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ ( 99 ) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ ( 100 )
شرح
تلا الآية قال له ابن الزبعرى خصمتك ورب الكعبة أليست اليهود عبدوا عزيرا والنصارى المسيح وبنو مليح الملائكة رد عليه بقوله صلّى اللّه عليه وسلم ما أجهلك بلغة قومك أما فهمت أن ما لما لا يعقل ولا يعارضه ما روى أنه صلّى اللّه عليه وسلم رده بقوله بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك ولا ما روى أن ابن الزبعرى قال هذا شئ لآلهتنا خاصة أو لكل من عبد من دون اللّه فقال صلّى اللّه عليه وسلم بل لكل من عبد من دون اللّه تعالى إذ ليس شئ منهما نصا في عموم كلمة ما كما أن الأول نص في خصوصها وشمول حكم النص لا يقتضى شموله بطريق العبارة بل يكفى في ذلك شموله لهم بطريق دلالة النص بجامع الشركة في المعبودية من دون اللّه تعالى فعلله صلّى اللّه عليه وسلم بعد ما بين مدلول النظم الكريم بما ذكر وعدم دخول المذكورين في حكمه بطريق العبارة بين عدم دخولهم فيه بطريق الدلالة أيضا تأكيدا للرد والإلزام وتكريرا للتبكيت والإفحام لكن لا باعتبار كونهم معبودين لهم كما هو زعمهم فإن إخراج بعض المعبودين عن حكم منبئ عن الغضب على العبدة والمعبودين مما يوهم الرخصة في عبادته في الجملة بل بتحقيق الحق وبيان أنهم ليسوا من المعبودية في شئ حتى يتوهم دخولهم في الحكم المذكور دلالة بموجب شركتهم للأصنام في المعبودية من دون اللّه تعالى وإنما معبودهم الشياطين التي أمرتهم بعبادتهم كما نطق به قوله تعالىسُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّالآية فهم الداخلون في الحكم المذكور لاشتراكهم مع الأصنام في المعبودية من دونه تعالى دون المذكورين عليهم السلام وهذا هو الوجه في التوفيق بين الأخبار المذكورة وأما تعميم كلمة ما للعقلاء أيضا وجعل ما سيأتي من قوله تعالىإِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنىالخ بيانا للتجوز أو التخصيص فمما لا يساعده السباق والسياق كما يشهد به الذوق السليم والحصب ما يرمى * به ويهيج به النار من حصبه إذا رماه بالحصباء وقرئ بسكون الصاد وصفا له بالمصدر للمبالغة( أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ )استئناف أو بدل من حصب جهنم واللام معوضة من على الدلالة على الاختصاص وأن 99 ورودهم لأجلها والخطاب لهم ولما يعبدون تغليبا( لَوْ كانَ هؤُلاءِ )أي أصنامهم( آلِهَةً )كما يزعمون( ما وَرَدُوها )وحيث تبين ورودهم إياها تعين امتناع كونها آلهة بالضرورة وهذا كما ترى صريح في أن المراد بما يعبدون هي الأصنام لأن المراد إثبات نقيض ما يدعونه وهم إنما يدعون إلهية الأصنام لا إلهية الشياطين حتى يحتج بورودها النار على عدم إلهيتها وأما ما وقع في الحديث الشريف فقد وقع بطريق التكملة بانجرار الكلام إليه عند بيان ما سيق له النظم الكريم بطريق العبارة لئلا 100 يلزم التدافع بين الخبرين( وَكُلٌّ )أي من العبدة والمعبودين( فِيها خالِدُونَ )لا خلاص لهم عنها( لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ )أي أنين وتنفس شديد وهو مع كونه من أفعال العبدة أضيف إلى الكل للتغليب ويجوز أن يكون الضمير